صديق الحسيني القنوجي البخاري
43
فتح البيان في مقاصد القرآن
أحد وقوله أَجْمَعُونَ يفيد أنهم اجتمعوا على السجود في وقت واحد فالأول لقصد الإحاطة والثاني لقصد الاجتماع ، قال في الكشاف فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد ، أنهم سجدوا جميعا في وقت واحد ، غير متفرقين في أوقات وقيل إنه أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ، وكان هذا السجود قبل دخول آدم الجنة أو بعده قولان . إِلَّا إِبْلِيسَ الاستثناء متصل على تقدير أنه كان متصفا بصفات الملائكة داخلا في عدادهم فغلبوا عليه ، أو منقطع على ما هو الظاهر من عدم دخوله فيهم ، أي لكن إبليس اسْتَكْبَرَ أي أنف من السجود جهلا منه بأنه طاعة للّه وَ كان استكباره استكبار كفر فلذلك كانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي صار منهم لمخالفته لأمر اللّه ، واستكباره عن طاعته ، أو كان من الكافرين في علم اللّه سبحانه ، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في سورة البقرة والأعراف وبني إسرائيل والكهف وطه . ثم إن اللّه سبحانه سأله عن سبب تركه للسجود الذي أمره به ف قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وقرىء بالإفراد أي ما صرفك وصدك عن السجود لما توليت خلقه من غير واسطة أب وأم وأضاف خلقه إلى نفسه تكريما له وتشريفا ، مع أنه سبحانه خالق كل شيء ، كما أضاف إلى نفسه الروح والبيت والناقة والمساجد . قال مجاهد : اليد هنا لمعنى التأكيد والصلة مجازا ، كقوله : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ الرحمن : 27 ] وقيل أراد باليد القدرة ، يقال : ما لي بهذا الأمر يد ، وما لي به يدان ، أي قدرة ، وقيل : التثنية في اليد للدلالة على أنها ليست بمعنى القوة والقدرة ، بل للدلالة على أنهما صفتان من صفات ذاته سبحانه ، وهو الأولى ، وقيل : التثنية لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السّلام المستدعي لإجلاله وتعظيمه قصدا إلى تأكيد الإنكار وتشديد التوبيخ ، ما في قوله لِما خَلَقْتُ هي المصدرية أو الموصولة ، وقرىء لما بالتشديد مع فتح اللام على أنها ظرف بمعنى حين ، كما قال أبو علي الفارسي . وعن عبد اللّه بن عمر قال : « خلق اللّه أربعا بيده العرش وجنة عدن والقلم وآدم » أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي ، وعن عبد اللّه بن الحارث قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « خلق اللّه ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده ، وغرس الفردوس بيده » ، أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة ، وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات . أَسْتَكْبَرْتَ قرىء بهمزة الاستفهام وهو استفهام توبيخ وتقريع فتكون أم في قوله : أَمْ كُنْتَ متصلة أي أتركت السجود لاستكبارك الحادث أم لاستكبارك القديم