صديق الحسيني القنوجي البخاري
37
فتح البيان في مقاصد القرآن
لأنه أبرد من النهار ؛ وقيل : هو الزمهرير وقيل الغساق المنتن ، وقيل هو عين في جهنم يسيل إليها كل ذوب حية وعقرب وقال قتادة هو ما يسيل من فروج النساء الزواني ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم . وقال محمد بن كعب : هو عصارة أهل النار ، وقال السدي : الغساق الذي يسيل من دموع أهل النار يسقونه مع الحميم ، وكذا قال ابن زيد ، وقال مجاهد ومقاتل . هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده ، وتفسير الغساق بالبارد أنسب بما تقتضيه لغة العرب وأنسب أيضا بمقابلة الحميم ، قرأ أهل المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين بتخفيف السين من غساق ، وقرىء بالتشديد وهما لغتان بمعنى واحد ، كما قال الأخفش ، وقيل معناهما مختلف فمن خفف فهو اسم مثل عذاب وجواب وصواب ، ومن شدد قال هو اسم فاعل للمبالغة نحو ضراب وقتال . وقال ابن عباس غساق الزمهرير وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو أن دلوا من غساق يهرق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا » « 1 » قال الترمذي بعد إخراجه لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد ، قلت ورشدين فيه مقال معروف . وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ قرأ الجمهور وآخر مفردا مذكرا ، وقرىء آخر بضم الهمزة على أنه جمع وأنكر الأولى لقوله أَزْواجٌ وأنكر عاصم والجحدري الثانية ، وقال لو كانت أخر لقال من شكلها ، وارتفاع آخر على أنه مبتدأ ، وخبره أزواج ، ويجوز أن يكون من شكله خبرا مقدما ، وأزواج مبتدأ مؤخرا ، والجملة خبر آخر ، ويجوز أن يكون خبر آخر مقدرا أي ولهم آخر ومن شكله أزواج جملة مستقلة ، ومعنى الآية على الأولى وعذاب آخر ، أو مذوق آخر أو نوع آخر من شكل ذلك العذاب ، أو المذوق أو النوع الأول ، والشكل المثل وعلى الثانية ومذوقات أخر وأنواع أخر من شكل ذلك المذوق أو النوع المتقدم ، وإفراد الضمير في شكله على تأويل المذكور أي من شكل المذكور ، ومعنى أزواج أجناس وأنواع وأشباه وحاصل معنى الآية أن لأهل النار حميما وغساقا وأنواعا من العذاب من مثل الحميم والغساق ، قال الواحدي : قال المفسرون : هو الزمهرير ، ولا يتم هذا الذي حكاه عن المفسرين إلا على تقدير أن الزمهرير أنواع مختلفة ، وأجناس متفاوتة ليطابق معنى أزواج أو على تقدير أن لكل فرد من أهل النار زمهريرا . وجملة هذا فَوْجٌ حكاية لقول الملائكة ، هم خزنة النار ، وذلك أن القادة
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في جهنم باب 4 ، وأحمد في المسند 3 / 28 ، 83 .