صديق الحسيني القنوجي البخاري

35

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مع هذا الذكر الجميل لَحُسْنَ مَآبٍ في الآخرة والمآب المرجع ، وهذا شروع في بيان أجرهم الجزيل الآجل ، بعد بيان ذكرهم الجميل في العاجل وهو باب آخر من أبواب التنزيل ، والمعنى أنهم يرجعون في الآخرة إلى مغفرة اللّه ورضوانه ، ونعيم جنته . ثم بين حسن المرجع فقال : جَنَّاتِ عَدْنٍ قرىء بالنصب بدلا أو عطف بيان لحسن مآب وعدن وهو في الأصل الإقامة ، يقال عدن بالمكان إذا أقام فيه ، وقيل هو اسم لقصر في الجنة ، وقرىء برفع جنات على أنها خبر مبتدأ محذوف ، أي هي جنات عدن . مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ حال من جنات ، والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل ، والأبواب مرتفعة باسم المفعول ، كقوله : وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [ الزمر : 73 ] ، والرابط بين الحال وصاحبها ضمير مقدر ، أي منها أو الألف واللام لقيامه مقام الضمير ، إذ الأصل أبوابها ، وقيل ارتفاع الأبواب على البدل من الضمير في مفتحة العائد على جنات ، وبه قال أبو علي الفارسي ، أي مفتحة هي الأبواب ، قال الفراء : المعنى مفتحة لهم أبوابها ، والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة ، وقال الزجاج المعنى مفتحة لهم الأبواب منها ، قال الحسن إن الأبواب يقال لها : انفتحي فتنفتح انغلقي فتنغلق ، وقيل : تفتح لهم الملائكة الأبواب حال كونهم مُتَّكِئِينَ فِيها أي في الجنات . يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ أي بألوان متنوعة متكثرة من الفواكه وَشَرابٍ كثير فحذف كثير لدلالة الأولى عليه ، والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ دون التغذي ، قيل : الجملة مستأنفة لبيان حالهم فيها أو حال مما ذكر . وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أي قاصرات طرفهن على أزواجهن ، وحابسات العين لا ينظرن إلى غيرهم ، وقد مضى بيانه في سورة الصافات أَتْرابٌ أي متحدات في السن والشباب ، أو متساويات في الحسن والجمال وقال مجاهد المعنى أنهن متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن ولا يتحاسدن ، بنات ثلاث وثلاثين سنة ، وقيل لدات أي متقاربات في الولادة ، لأن التحاب بين الأقران أثبت أو بعضهن لبعض أو نصف لا عجوز فيهن ولا صبية ، قال الشهاب : لدات جمع لدة كعدة أصلها ولد ، وهو كالترب من يولد معك في وقت واحد ، كأنهما وقعا على التراب في زمن واحد ، والأتراب جمع ترب ، واشتقاقه من التراب ، لأنه يمسهن في وقت واحد ، لاتحاد مولدهن والمعاني متقاربة . هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ أي هذا الجزاء الذي وعدتم به لأجل يوم