صديق الحسيني القنوجي البخاري
32
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقال يحيى بن سلام وغيره ، إن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقربا إليه فإنه إذا فعل ذلك برئ . فحلف ليضربنها إذا عوفي مائة جلدة ، وقيل باعت ذؤابتها برغيفين إذ لم تجد شيئا وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام ، فلهذا حلف ليضربنها وأخرج أحمد في الزهد عن ابن عباس قال : إن إبليس قعد على الطريق وأخذ تابوتا يداوي الناس فقالت امرأة أيوب : يا عبد اللّه إن ههنا مبتلى من أمره كذا وكذا فهل لك أن تداويه ، قال : نعم بشرط إن أنا شفيته أن يقول أنت شفيتني لا أريد منه أجرا غيره فأتت أيوب فذكرت له ذلك ، فقال : ويحك ذاك الشيطان ، للّه عليّ إن شفاني اللّه أن أجلدك مائة جلدة ، فلما شفاه اللّه أمره أن يأخذ ضغثا فيضربها به ، فأخذ عذقا فيه مائة شمراخ فضربها به ضربة واحدة . وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال « حملت وليدة في بني ساعدة من زنا فقيل لها : ممن حملك ؟ قالت من فلان المقعد ، فسئل المقعد فقال : صدقت فرفع ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « خذوا عثكولا فيه مائة شمراخ فاضربوه ضربة واحدة » « 1 » . وله طرق أخرى . وقد اختلف العلماء هل هذا خاص بأيوب أو عام للناس كلهم ؟ وأن من حلف خرج من يمينه بمثل ذلك ؟ قال الشافعي : إذا حلف ليضربن فلانا مائة جلدة أو ضربا ولم يقل ضربا شديدا ولم ينو بقلبه فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية حكاه ابن المنذر عنه ، وعن أبي ثور وأصحاب الرأي ، وقال عطاء هو خاص بأيوب ، ورواه ابن القاسم عن مالك ، ثم أثنى اللّه سبحانه على أيوب فقال : إِنَّا وَجَدْناهُ أي علمناه صابِراً على البلاء الذي ابتليناه به فإنه ابتلي بالداء العظيم في جسده وذهاب ماله وولده وأهله فصبر وليس في شكواه إلى اللّه إخلال بذلك فإنه ليس جزعا تمنى العافية وطلب الشفاء ، والشكاية المذمومة إنما هي إذا كانت للمخلوقين ، قال ابن مسعود أيوب رأس الصابرين يوم القيامة . نِعْمَ الْعَبْدُ أي أيوب إِنَّهُ أَوَّابٌ أي رجاع إلى اللّه تعالى بالاستغفار والتوبة . وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أي اذكر صبرهم على ما أصابهم تتأس بهم ، قرأ الجمهور عِبادَنا بالجمع ، وقرىء بالإفراد ؛ فعلى قراءة الجمهور يكون إسحاق وإبراهيم ويعقوب عطف بيان ، وعلى القراءة الأخرى يكون إبراهيم عطف بيان ، وما بعده عطف على عبدنا لا على إبراهيم ، وقد يقال لما كان المراد بعبدنا الجنس جاز إبدال الجماعة منه ، وقيل إن إبراهيم وما بعده بدل ، أو النصب بإضمار أعني ، وعطف البيان أظهر وقراءة الجمهور أبين ، وقد اختارها أبو حاتم وأبو عبيدة .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الحدود باب 18 ، وأحمد في المسند 5 / 222 .