صديق الحسيني القنوجي البخاري
28
فتح البيان في مقاصد القرآن
بكم ؟ قال بسمكة من هذا السمك فحمل سليمان السمك ثم انطلق به إلى منزله ، فلما انتهى الرجل إلى باب داره أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان فشق بطنها فإذا الخاتم في جوفها فأخذه فلبسه فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان في طلبه وكان شيطانا مريدا فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما فجاؤوا فبنوا عليه بنيانا من رصاص فاستيقظ فوثب ، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا أنباط معه الرصاص فأخذوه فأوثقوه وجاؤوا به إلى سليمان فأمر به فنقر له تخت من رخام ، ثم أدخله في جوفه ثم شد بالنحاس ، ثم أمر به فطرح في البحر فذلك قوله : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً يعني الشيطان الذي كان سلط عليه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال صخر الجني تمثل على كرسيه على صورته . قالَ سليمان رَبِّ اغْفِرْ لِي ما صدر عني من الذنب الذي ابتليتني لأجله وطلب المغفرة دأب الأنبياء والصلحاء ، هضما للنفس وإظهارا للذل والخشوع ، وطلبا للترقي في المقامات ثم لما قدم التوبة والاستغفار جعلها وسيلة إلى إجابة طلبته فقال : وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي قال أبو عبيدة معناه لا يكون لأحد من بعدي ، وقيل لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته ، وليس هذا من سؤال نبي اللّه سليمان عليه السّلام للدنيا وملكها ، والشرف بين أهلها بل المراد بسؤاله الملك أن يتمكن به من إنقاذ حكم اللّه سبحانه والأخذ على يد المتمردين من عباده من الجن والإنس ولو لم يكن من المقتضيات لهذا السؤال منه إلا ما رآه عند قعود الشيطان على كرسيه من الأحكام الشيطانية الجارية في عباد اللّه لكفى . وجملة إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ تعليل لما قبلها مما طلبه من مغفرة اللّه له وهبة الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده ، لا بالأخيرة فقط ، فإن المغفرة أيضا من أحكام وصف الوهابية قطعا قاله أبو السعود . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن عفريتا من الجن جعل يتفلت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي ، وإن اللّه أمكنني منه فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه كلكم ، فذكرت قول أخي سليمان : وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فرده اللّه خاسئا » « 1 » ثم ذكر سبحانه إجابته لدعوته وإعطاءه لمسألته فقال :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة باب 75 ، والأنبياء باب 40 ، وتفسير سورة 38 ، باب 2 ، ومسلم في المساجد حديث 39 ، وأحمد في المسند 2 / 298 .