صديق الحسيني القنوجي البخاري

19

فتح البيان في مقاصد القرآن

خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع هنا السجود فإن السجود هو الميل والركوع هو الانحناء وأحدهما يدخل في الآخر ولكنه قد يختص كل واحد منهما بهيئته ثم جاء هذا على تسمية أحدهما بالآخر وقيل المعنى للسجود راكعا أي مصليا وقيل : بل كان ركوعهم سجودا ، وقيل : بل كان سجودهم ركوعا . وَأَنابَ أي رجع إلى اللّه بالتوبة من ذنبه ، قال المفسرون : سجد داود أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة أو لوقت صلاة مكتوبة ثم يعود ساجدا إلى تمام أربعين لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة ثم أنزل اللّه له التوبة والمغفرة وقد اختلف المفسرون في ذنب داود الذي استغفر له وتاب عنه على أقوال . الأول : أنه نظر إلى امرأة الرجل الذي أراد أن تكون زوجة له كذا قال سعيد بن جبير وغيره قال الزجاج ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة لكنه عاود النظر إليها وصارت الأولى له والثانية عليه . الثاني : أنه أرسل زوجها في جملة الغزاة . الثالث : أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها . الرابع : أن أوريا بن حنان كان خطب تلك المرأة فلما غاب خطبها داود فزوجت منه لجلالته ، فاغتم لذلك أوريا فعتب اللّه عليه حيث لم يتركها لخاطبها . الخامس : أنه لم يجزع على قتل أوريا كما كان يجزع على من هلك من الجند ، ثم تزوج امرأته فعاتبه اللّه على ذلك لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة . السادس : أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر كما قدمنا ، وأقول الظاهر من الخصومة التي وقعت بين الملكين تعريضا لداود عليه السّلام أنه طلب من زوج المرأة الواحدة أن ينزل له عنها ويضمها إلى نسائه ، ولا ينافي هذا العصمة الكائنة للأنبياء فقد نبهه اللّه على ذلك وعرض له بإرسال ملائكته إليه ليتخاصموا في مثل قصته حتى يستغفر لذنبه ويتوب منه ، فاستغفر وتاب عنه . وقد قال تعالى : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] وهو أبو البشر ، وأول الأنبياء ووقع لغيره من الأنبياء ما قصه اللّه علينا في كتابه ، وفي الآية ما يدل على صدور الذنب منه ، وهو قوله : وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ وقوله : فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وقوله : وَأَنابَ وقوله : فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ والجواب عن هذا بأن حسنات الأبرار سيئآت المقربين ليس كما ينبغي ، والأولى ما ذكرناه ، ثم أخبر سبحانه أنه قبل استغفاره وتوبته فقال : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 25 إلى 27 ] فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 25 ) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ( 26 ) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 )