صديق الحسيني القنوجي البخاري

150

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقطرب ، قال الجوهري : المن القطع ، ويقال النقص ومنه قوله تعالى لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ وقيل غير محسوب ، وقيل معنى الآية لا يمن عليهم به لأنه إنما يمن بالتفضل ، فأما الأجر فحق أداؤه ، وقال السدي نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة ، كتب لهم من الأجر مثل ما كانوا يعملون في الصحة . ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يوبخهم ويقرعهم فقال : قُلْ أَ إِنَّكُمْ قرأ الجمهور بهمزتين الثانية بين بين ، وقرىء بهمزة بعدها ياء خفيفة ، وإن واللام إما لتأكيد الإنكار ، وقدمت الهمزة لاقتضائها الصدارة وإما للإشعار بأن كفرهم من البعد بحيث ينكر العقلاء وقوعه فيحتاج إلى التأكيد . لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ والمعنى لتكفرون بمن شأنه هذا الشأن العظيم وقدرته هذه القدرة الباهرة ، قيل : اليومان هما يوم الأحد ويوم الاثنين ، وقيل : خلقهن في نوبتين كل نوبة أسرع مما يكون في يوم ، وقيل : المراد مقدار يومين لأن اليوم الحقيقي إنما يتحقق بعد وجود الأرض والسماء ذكرهما تعليما للأناة ، ولو أراد أن يخلقهما في لحظة لفعل . وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً أي أضداد وشركاء والجملة معطوفة على تكفرون داخلة تحت الاستفهام ، ذكر عنهم شيئين منكرين ، أحدهما الكفر باللّه ، والثاني إثبات الشركاء له ذلِكَ المتصف بما ذكر رَبُّ الْعالَمِينَ جمع عالم ، وهو ما سوى اللّه وجمع لاختلاف أنواعه بالياء والنون تغليبا للعقلاء من جملة العالمين ما تجعلونها أندادا للّه ، فكيف تجعلون بعض مخلوقاته شركاء له في عبادته ؟ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أي جبالا ثوابت ، معطوف على خلق وقيل مستأنفة لوقوع الفصل بينهما بالأجنبي ، والأول أولى ، لأن الجملة الفاصلة هي مقررة لمضمون ما قبلها ، فكانت بمنزلة التأكيد ، ومعنى : مِنْ فَوْقِها أنها مرتفعة عليها لأنها من أجزاء الأرض ، وإنما خالفتها باعتبار الارتفاع فكانت من هذه الحيثية كالمغايرة لها وإنما اختار إرساءها فوق الأرض لتكون منافع الجبال ظاهرة لطالبيها ، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال كلها مفتقرة إلى ممسك ، وهو اللّه العزيز المتعال ، القادر المختار . وَبارَكَ فِيها أي جعلها مباركة كثيرة الخير بما خلق فيها من المنافع للعباد قال السدي : أنبت فيها شجرها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال الحسن وعكرمة والضحاك : قدر فيها أرزاق أهلها ، وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع ، جعل في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ، ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد وقيل قدر البرّ لأهل قطر من الأرض والتمر لأهل قطر آخر ، وكذلك سائر الأقوات . قيل : إن الزرع أكثر الحرف بركة لأن اللّه وضع الأقوات في الأرض ، وقال ابن