صديق الحسيني القنوجي البخاري

15

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ومعنى الاستفهام هنا التعجب ، والتشويق إلى استماع ما بعده لكونه أمرا غريبا ، كما تقول لمخاطبك هل تعلم ما وقع اليوم ؟ ثم تذكر له ما وقع قال مقاتل : بعث اللّه إلى داود ملكين جبريل وميكائيل لينبهه على التوبة فأتياه وهو في محرابه قال النحاس : ولا خلاف بين أهل التفسير أن المراد بالخصم هنا الملكان ، والخصم مصدر يقع على الواحد والاثنين والجماعة ، ومعنى قوله : إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ أتوه من أعلى سوره ، ونزلوا إليه ، والسور الحائط المرتفع ، وجاء بلفظ الجمع في تسوروا مع كونهما اثنين نظرا إلى ما يحتمله لفظ الخصم من الجمع ، والمحراب الغرفة لأنهم تسوروا عليه وهو فيها ، كذا قال يحيى بن سلام . وقال أبو عبيدة : إنه صدر المجلس ، ومنه محراب المسجد ، وقيل : إنهما كان إنسيين ولم يكونا ملكين ، والعامل في إذ النبأ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تسورهم ؟ وبهذا قال ابن عطية ومكي وأبو البقاء ، وقيل : العامل فيه . أتاك ، وقيل : معمول للخصم ، وقيل : معمول لمحذوف ، أي وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم . عن ابن عباس أن داود حدث نفسه إذا ابتلى أنه يعتصم ، فقيل له : إنك ستبتلى وستعلم الذي تبتلى فيه فخذ حذرك ، فقيل له : هذا اليوم الذي تبتلى فيه فأخذ الزبور ودخل المحراب ، وأغلق باب المحراب ، وأخذ الزبور في حجره وأقعد منصفا يعني خادما على الباب ، وقال : لا تأذن لأحد عليّ اليوم فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر مذهب كأحسن ما يكون للطير فيه من كل لون فجعل يدور بين يديه فدنا منه فأمكن أن يأخذه فتناوله بيده ليأخذه فاستوفز من خلفه فأطبق الزبور ، وقام إليه ليأخذه فطار فوقع على كوة المحراب ، فدنا منه ليأخذه فأفضى فوقع على خص فأشرف عليه لينظر أين وقع ؟ فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض ، فلما رأت ظله حركت رأسها فغطت جسدها أجمع بشعرها وكان زوجها غازيا في سبيل اللّه فكتب داود إلى رأس الغزاة انظر أوريا فاجعله في حملة التابوت ، وكان حملة التابوت ، إما أن يفتح عليهم ، وإما أن يقتلوا ، فقدمه في حملة التابوت فقتل ، فلما انقضت عدتها خطبها داود ، فاشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة من بعده ، وأشهدت عليه خمسين من بني إسرائيل ، وكتبت عليه بذلك كتابا فما شعر بفتنته أنه افتتن حتى ولدت سليمان ، وشب فتسور عليه الملكان المحراب وكان شأنهما ما قص اللّه في كتابه ، وخر داود ساجدا فغفر اللّه له ، وتاب عليه . أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم .