صديق الحسيني القنوجي البخاري
134
فتح البيان في مقاصد القرآن
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الدجال ، أخرجه عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، قال السيوطي : بسند صحيح ، وعن كعب الأحبار قال : هم اليهود نزلت فيهم ، فيما ينتظرونه من أمر الدجال . وقال مجاهد إِلَّا كِبْرٌ أي عظمة قريش ، ثم أمره اللّه سبحانه بأنه يستعيذ باللّه من شرورهم فقال : فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي فالتجىء إليه من شرهم ، وكيدهم ، وبغيهم عليك إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْبَصِيرُ بأفعالهم لا تخفى عليه من ذلك خافية ثم بين سبحانه عظيم قدرته فقال : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ابتداء من غير سبق مادة أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ أي أعظم من النفوس ، وأجل في الصدور ، لعظم أجرامهما واستقرارهما من غير عمد ، وجريان الأفلاك بالكواكب من غير سبب ، وأشق بحسب عادة الناس في مزاولة الأفعال من أن علاج الشيء الكبير أشق من علاج الصغير ، وإن كان بالنسبة إلى اللّه لا تفاوت بين الصغير والكبير ، فكيف ينكرون البعث وإحياء ما هو دونهما من كل وجه ؟ كما في قوله : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [ يس : 81 ] قال أبو العالية المعنى لخلق السماوات والأرض أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود ، وقال يحيى بن سلام هو احتجاج على منكري البعث أي هما أكبر من إعادة خلق الناس . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ بعظم قدرة اللّه ، وأنه لا يعجزه شيء فهم كالأعمى ، ومن يعلمه كالبصير وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذكر الدجال وصفته ، وإنذار الرسل منه لأمتهم وخروجه في آخر الزمان ، وما يقع منه ، ومن يتبعه من اليهود ، كما حققناه في حجج الكرامة في آثار القيامة ، وليس هذا موضع ذكرها وبسطها ، وإليه ذهب جميع أهل السنة والمحدثين والفقهاء خلافا لمن أنكره ، وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة ، وخلافا للجبائي وموافقيه في أنه صحيح الوجود : ولكن الأشياء التي يأتي بها زعموا أنها مخاريف وخيالات لا حقائق لها والأخبار الصحيحة المتواترة تدفعه وترده ردا مشبعا . ثم لما ذكر سبحانه الجدال بالباطل ذكر مثالا للباطل والحق ، وأنهما لا يستويان فقال : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي الذي يجادل بالباطل الذي يجادل بالحق ، أو الغافل والمستبصر وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي ولا يستوي المحسن بالإيمان والعمل الصالح . وَلَا الْمُسِيءُ بالكفر والمعاصي ، وزيادة ( لَا ) للتأكيد ، والتقابل يجيء على ثلاث طرق إحداها أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية ، والثانية أن يتأخر