صديق الحسيني القنوجي البخاري
129
فتح البيان في مقاصد القرآن
فلم يقدروا عليه وقيل : القائل هو موسى والأول أولى إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ يعلم المحق من المبطل . فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا أي ما أرادوا به من المكر السئ وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم ، قال قتادة نجاه اللّه مع بني إسرائيل من الغرق وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ أي أحاط بهم ونزل عليهم سُوءُ الْعَذابِ قال الكسائي : يقال حاق يحيق حيقا وحيوقا إذا نزل ولزم قال الكلبي غرقوا في البحر ودخلوا النار ، والمراد بآل فرعون فرعون وقومه ، وترك التصريح به للاستغناء بذكرهم عن ذكره ، لكونه أولى بذلك منهم ، أو المراد بآل فرعون فرعون نفسه ، والأول أولى لأنهم قد عذبوا في الدنيا جميعا بالغرق وسيعذبون في الآخرة بالنار ، ثم بين سبحانه ما أجمله من سوء العذاب فقال : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 46 إلى 49 ] النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ( 46 ) وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ ( 47 ) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ ( 48 ) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ ( 49 ) النَّارُ يُعْرَضُونَ أي تعرض أرواحهم من حين موتهم إلى قيام الساعة عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا أي صباحا ومساء ، فارتفاع النار على أنها بدل من سوء العذاب وقيل : على أنها خبر مبتدأ محذوف ، أو مبتدأ وخبره يعرضون والأول أولى ورجحه الزجاج ، وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر وقرىء بالنصب على تقدير فعل يفسره يعرضون من حيث المعنى ، أي يصلون النار يعرضون عليها أو على الاختصاص وأجاز الفراء الخفض على البدل من العذاب . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، يقال له : هذا مقعدك حين يبعثك اللّه إليه يوم القيامة » « 1 » زاد ابن مردويه ثم قرأ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ، وعرضهم عليها إحراقهم بها ، يقال عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 90 ، وبدء الخلق باب 8 ، والرقاق باب 42 ، ومسلم في الجنة حديث 65 ، 66 ، والترمذي في الجنائز باب 70 ، والنسائي في الجنائز باب 116 ، وابن ماجة في الزهد باب 32 ، ومالك في الجنائز حديث 48 ، وأحمد في المسند 2 / 16 ، 51 ، 113 ، 123 ،