صديق الحسيني القنوجي البخاري
128
فتح البيان في مقاصد القرآن
الحال ؟ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ من النار ودخول الجنة بالإيمان باللّه وإجابة رسله وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ بما تريدونه مني من الشرك ، وقيل : المعنى ما لكم أدعوكم ؟ كما تقول ما لي أراك حزينا ؟ أي ما لك ؟ ثم فسر الدعوتين فقال : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 42 إلى 45 ] تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 43 ) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 44 ) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ أي ما لا علم لي بكونه شريكا للّه ، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم بدل من تدعونني الأولى على جهة البيان لها ، وأتى بجملة فعلية لتدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها ، وفي قوله : وَأَنَا أَدْعُوكُمْ بجملة اسمية لتدل على ثبوت دعوته وتقويتها إِلَى الْعَزِيزِ الغالب على أمره ، وفي انتقامه ممن كفر الْغَفَّارِ لذنب من آمن به وتاب . لا جَرَمَ قد تقدم تفسير هذا في سورة هود وجرم فعل ماض بمعنى حق ، ولا الداخلة عليه لنفي ما ادعوه ، ورد ما زعموه ، وفاعل هذا الفعل هو قوله : أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ أي حق ووجب بطلان دعوته ، وما بمعنى الذي ؛ فكان حقها أن تكتب مفصولة من النون كما هو القاعدة ، لكنها رسمت في المصحف الإمام موصولة بالنون كما أشار له ابن الجزري لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ قال الزجاج : معناه ليس له استجابة دعوة تنفع ؛ وقيل : ليس له دعوة توجب الألوهية فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وقال الكلبي ليس له شفاعة وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ أي مرجعنا ومصيرنا إليه بالموت أولا وبالبعث آخرا فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر . وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ أي المستكثرين من معاصي اللّه : قال قتادة وابن سيرين : يعني المشركين ، وقال مجاهد والشعبي هم السفهاء السفاكون للدماء بغير حقها ؛ وبه قال ابن مسعود ، وقال عكرمة الجبارون المتكبرون ، وقيل : هم الذين تعدوا حدود اللّه ، والمعنى حق أن المسرفين هُمْ أَصْحابُ النَّارِ أي أهل جهنم ولما بلغ ذلك المؤمن في باب النصيحة إلى هذا الكلام ختم كلامه بخاتمة لطيفة فقال : فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ إذا نزل بكم العذاب وتعلمون أني قد بالغت في نصحكم وتذكيركم ، وهو كلام مجمل مبهم ، وفي هذا الإبهام والإجمال من التخويف والتهديد ما لا يخفى . وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ مستأنف ، أي أتوكل عليه وأسلم أمري إليه قيل : إنه قال هذا لما أرادوا الإيقاع به ، قال مقاتل : هرب هذا المؤمن إلى الجبل فطلبوه