صديق الحسيني القنوجي البخاري
126
فتح البيان في مقاصد القرآن
السلمي وعيسى بن عمر وحفص بالنصب على حواب الأمر في قوله ابن لي ، وهذا رأي البصريين . أو على جواب الترجي كما قال أبو عبيدة وغيره وهذا رأي الكوفيين . قال النحاس معنى النصب خلاف معنى الرفع لأن معنى النصب متى بلغت الأسباب اطلعت ، وقرأ الجمهور بالرفع عطفا على أبلغ فهو على هذا داخل في حيز الترجي ، ومعناه لعلي أبلغ ، ولعلي أطلع بعد ذلك ، وقيل غير ذلك ، وفي هذا دليل على أن فرعون كان بمكان من الجهل عظيم ، وبمنزلة من فهم حقائق الأشياء سافلة جدا . وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ أي موسى كاذِباً في ادعائه بأن له إلها غيري ، مستويا على العرش فوق السماوات أو فيما يدعيه من الرسالة قيل : قال فرعون ذلك تمويها وتلبيسا ، وتخليطا على قومه ، وإلا فهو يعرف ويعتقد حقيقة الإله ، وأنه ليس في جهة العلو ، ولكنه أراد التلبيس على قومه توصلا لبقائهم على الكفر ، فكأنه يقول : لو كان إله موسى موجودا لكان له محل ، ومحله إما الأرض وإما السماء ، ولم نره في الأرض فيبقى أن يكون في السماء ، والسماء لا توصل إليها إلا بسلم قاله الحفناوي . وَكَذلِكَ التزيين زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ من الشرك والتكذيب فتمادى في الغي واستمر على الطغيان ، والمزين هو الشيطان وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ أي سبيل الرشاد والهدى ، قرأ الجمهور وصد بفتح الصاد والدال ، أي صد فرعون الناس عن السبيل ، وقرأ الكوفيون وَصُدَّ بضم الصاد مبنيا للمفعول ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم . ولعل وجه الاختيار لها منهما كونها مطابقة لما أجمعوا عليه في زين ، من البناء للمفعول والقراءتان سبعيتان وقرأ يحيى بن وثاب وعلقمة . صد بكسر الصاد وضم الدال منونا وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بكر بفتح الصاد وضم الدال منونا ، وكل من هاتين القراءتين على أنه مصدر معطوف على : ( سُوءُ عَمَلِهِ ) ، أي زين له الشيطان سوء العمل والصد . وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ في إبطال آيات موسى إِلَّا فِي تَبابٍ أي خسار وهلاك ، قال ابن عباس : التباب الخسران ، ومنه تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : 1 ] ثم إن ذلك الرجل المؤمن أعاد التذكير والتحذير كما حكى عنه بقوله : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 38 إلى 41 ] وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 38 ) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ( 39 ) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 ) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ بإثبات الياء وحذفها في الوصل والوقف ،