صديق الحسيني القنوجي البخاري

121

فتح البيان في مقاصد القرآن

أيها الناس أخبروني من أشجع الناس ؟ قالوا : أنت ، قال : أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه ولكن أخبروني عن أشجع الناس ؟ قالوا : لا نعلم فمن ؟ قال : أبو بكر ، رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخذته قريش فهذا يجنبه وهذا يتلتله وهم يقولون : أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا قال فواللّه ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ، يجيء هذا ويتلتل هذا ، وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه ؟ ثم دفع بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ، ثم قال أنشدكم أمؤمن آل فرعون خير ؟ أم أبو بكر ؟ فسكت القوم فقال ألا تجيبون ؟ فواللّه لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن من آل فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه » . ثم تلطف الرجل المؤمن لهم في الدفع عن موسى واحتج عليهم بطريق التقسيم فقال . وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ أي ضرر كذبه وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ هذا كلام صادر عن غاية الانصاف ، وعدم التعصب ولذلك قدم من شقي الترديد كونه كاذبا ، وإنما خوفهم به اقتصارا على ما هو أظهر احتمالا عندهم ، ولم يكن قوله هذا لشك منه فإنه كان مؤمنا كما وصفه اللّه ، ولا يشك المؤمن . والمعنى إذا لم يصبكم كله فلا أقل من أن يصيبكم بعضه ، لا سيما إن تعرضتم له بسوء . وقال أبو عبيدة وأبو الهيثم . بعض هنا بمعنى كل ، أي يصيبكم كل الذي يعدكم ، والبعض قد يستعمل في لغة العرب بمعنى الكل ، قال النسفي : وتفسير البعض بالكل مزيف انتهى نعم ولا ضرورة تلجىء إلى حمل ما في الآية على ذلك لأنه أراد التنزل معهم وإيهامهم أنه لا يعتقد صحة نبوته كما يفيده قوله يَكْتُمُ إِيمانَهُ . قال أهل المعاني وهذا على المظاهرة في الحجاج ، كأنه قال لهم : أقل ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم ، وفي بعض ذلك هلاككم ، فكأن الحاصل بالبعض هو الحاصل بالكل . وقال الليث : بعض ههنا صلة يريد يصيبكم الذي يعدكم ، وقيل يصيبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا ، وهو بعض ما يتوعدكم به من العذاب . وقيل إنه وعدهم بالثواب والعقاب فإذا كفروا أصابهم العذاب ، وهو بعض ما وعدهم به وحذفت النون من يكن في الموضعين تخفيفا لكثرة الاستعمال كما قال سيبويه . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ هذا من تمام كلام الرجل المؤمن ، وهو احتجاج آخر ذو وجهين ، أحدهما أنه لو كان موسى مسرفا كذابا لما هداه اللّه إلى البينات ، ولا أيده بالمعجزات ، وثانيهما أنه إذا كان كذلك خذله اللّه وأهلكه ، فلا حاجة لكم إلى قتله ، والمسرف المقيم على المعاصي المستكثر منها ، والكذاب المفتري . يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ذكرهم ذلك الرجل المؤمن ما هم فيه من الملك