صديق الحسيني القنوجي البخاري
12
فتح البيان في مقاصد القرآن
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ من أقوالهم الباطلة التي هذا القول المحكي عنهم من جملتها ، وصن نفسك أن تزل فيما كلفت من مصابرتهم ، وتحمل أذاهم ، قيل : وهذه الآية منسوخة بآية السيف ، وقيل محكمة وهو الصحيح . ولما فرغ من ذكر قرون الضلالة وأمم الكفر والتكذيب وأمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالصبر على ما يسمعه ، زاد في تسليته وتأسيته بذكر قصة داود وما بعدها فقال : وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ أي اذكر قصته فإنك تجد فيها ما تتسلى به ، والأيد : القوة ، قاله ابن عباس ، ومنه رجل أيد أي قوي ، وتأيد الشيء تقوى ، والأيد مفرد بوزن البيع ، وهو مصدر ، وليس جمع يد ، يقال : آد الرجل يئيد أيدا وإيادا بالكسر إذا قوي واشتد ، فهو أيد مثل سيد وهين ، ومنه قولهم : أيدك اللّه تأييدا والمراد ما كان فيه عليه السّلام من القوة على العبادة ، قال الزجاج وكانت قوة داود على العبادة أتم قوة . ومن قوته ما أخبرنا به نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما ، وكان يصلي نصف الليل ، وكان لا يفر إذا لاقى العدو » « 1 » . وجملة إِنَّهُ أَوَّابٌ تعليل لكونه ذا الأيد ، والأواب الرجاع عن كل ما يكرهه اللّه سبحانه إلى ما يحبه ، ولا يستطيع ذلك إلا من كان قويا في دينه وقيل : معناه كلما ذكر ذنبه استغفر منه وتاب عنه ، وهذا داخل تحت المعنى الأول ، يقال آب يؤوب إذا رجع . وقال ابن عباس الأواب المسبح بلغة الحبشة . وأخرج الديلمي عن مجاهد قال : سألت ابن عمر عن الأواب فقال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنه فقال : « هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا فيستغفر اللّه » وعن ابن عباس قال الأواب الموقن . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ استئناف مسوق لتعليل قوته في الدين ، وكونه رجاعا إلى مرضاته تعالى ، وإيثار مع علي اللام لما أشير إليه في سورة الأنبياء من أن تسخير الجبال لم يكن بطريق التصرف الكلي فيها إليه كتسخير الريح وغيرها لسليمان بل بطريق التبعية له والاقتداء به ، قيل كان تسخيرها أنها تسير معه إذا أراد سيرها إلى حيث يريد .
--> ( 1 ) أخرجه بنحوه ، البخاري في الصوم باب 57 ، 59 ، والأنبياء باب 37 ، ومسلم في الصيام حديث 186 ، 187 ، والترمذي في الصوم باب 57 ، والنسائي في الصيام باب 76 ، 77 ، وأحمد في المسند 2 / 164 ، 189 ، 190 ، 199 ، 200 ، 201 .