صديق الحسيني القنوجي البخاري

117

فتح البيان في مقاصد القرآن

يا رسول اللّه ما في نفسك ؟ هلا أومأت إلينا بعينك فقال إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين » « 1 » . وَما تُخْفِي الصُّدُورُ أي القلوب من الضمائر ، وتستره وتكنه ، وتضمره عن معاصي اللّه أو من أمانة وخيانة أو النظرة الأولى ، أو هل يزني بها لو خلا بها أو لا ؟ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر . وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي يعبدونهم من دون اللّه ، قرأ الجمهور بالتحتية يعني الظالمين ، وقرىء بالفوقية على الخطاب لهم ، وهما سبعيتان لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ لأنهم لا يعلمون شيئا ولا يقدرون على شيء . فكيف يكونون شركاء للّه ، وهذا تهكم بهم لأن ما لا يوصف بالقدرة كالجماد لا يقال فيه يقضي أو لا يقضي . إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فلا يخفى عليه من المسموعات والمبصرات خافية ؛ تقرير لقوله . يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ولقضائه بالحق ، ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ، ويبصر ما يعملون ، وأنه يعاقبهم عليه . وتعريض بما يدعون من دونه وأنها لا تسمع ولا تبصر . ولما خوفهم سبحانه بأحوال الآخرة أردفه ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ لأن العاقل من اعتبر بحال غيره ، أي اغفلوا ولم يسيروا في الأرض فيعتبروا بمن قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم ، كعاد وثمود وأضرابهم ، أو العاقبة بمعنى الصفة أو بمعنى المآل أرشدهم اللّه سبحانه إلى الاعتبار بغيرهم ، فإن الذين مضوا من الكافر كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً أي من هؤلاء الحاضرين من الكفار ، وهذا بيان للتفاوت بين حال هؤلاء وأولئك ، وفي قراءة منكم أي التفاتا من الغيبة إلى الخطاب ، وقع ضمير الفصل هنا بين معرفة ونكرة ، مع أنه لا يقع إلا بين معرفتين لكون النكرة هنا مشابهة للمعرفة من حيث امتناع دخول أل عليها ، لأن أفعل التفضيل المقرون بمن لا تدخل عليه أل . وَآثاراً فِي الْأَرْضِ بما عمروا فيها من الحصون المتينة ، والمصانع الحصينة ، والقصور المشيدة وبما لهم من العدد والعدة فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي عاقبهم ، وأهلكهم بسبب ذنوبهم ، وتكذيبهم رسلهم وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ أي دافع يدفع عنهم العذاب ويقيهم ، وقد مر تفسير هذه الآية في مواضع . ذلِكَ أي ما تقدم من الأخذ بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج الواضحة والمعجزات الظاهرة فَكَفَرُوا بما جاؤوهم به

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الحدود باب 1 ، والجهاد باب 117 ، والنسائي في التحريم باب 14 .