صديق الحسيني القنوجي البخاري
88
فتح البيان في مقاصد القرآن
ربيتك صغيرا ؟ ألا تتقي اللّه في عقوقي وقد علمتك كبيرا ؟ وقدّم الأمر بتقوى اللّه على الأمر بطاعته لأن تقوى اللّه علة لطاعته . قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ الاستفهام للإنكار ، أي كيف نتبعك ونصدق لك ونؤمن بك ؟ وَ الحال أن قد اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ جمع أرذل وجمع التكسير أرذال ، والأنثى رذلاء وهم الأقلّون جاها ومالا ، والرذالة الخسة والذلة ، استرذلوهم لقلة أموالهم وجاههم ، أو لا تّضاع أنسابهم . قال مجاهد : الأرذلون الحواكون . وقال قتادة سفلة الناس وأرذالهم وقال ابن عباس : يعني القافة ، وقيل هم الحاكة والأساكفة ؛ وقيل : كانوا من أهل الصناعات الدنية ، والصناعة لا ترزى بالديانة فالغنى غنى الدين ؛ والنسب نسب التقوى . ولا يجوز أن يسمى المؤمن رذلا . وإن كان أفقر الناس ؛ وأوضعهم نسبا وما زالت اتباع الأنبياء كذلك . وإنما بادروا للاتباع قبل الأغنياء لاستيلاء الرياسة على الأغنياء ، وصعوبة الانفكاك منها ، والأنفة عن الانقياد للغير . والفقير خلى من تلك الموانع فهو سريع الإجابة والانقياد ، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا ، وهذا من سخافة عقولهم ، وقصر رأيهم على حطام الدنيا حتى جعلوا اتباع المقلّين من الدنيا مانعا من اتباعهم ، وجعلوا إيمانهم بما يدعوهم إليه دليلا على بطلانه . وقرىء ( أتباعك الأرذلون ) قال النحاس وهي قراءة حسنة لأن هذه الواو تتبعها الأسماء كثيرا وأتباع جمع تابع . قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ كان زائدة والمعنى : وما علمي بعملهم ؟ أي : لم أكلف العلم بأعمالهم ، إنما كلفت أن ادعوهم إلى الإيمان والاعتبار به لا بالحرف والصنائع ، والفقر والغنى ، وكأنهم أشاروا بقولهم وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ إلى أن إيمانهم لم يكن عن نظر صحيح ، وإنما لتوقع مال ورفعة ، فأجابهم بهذا أي أني لم أقف على باطن أمرهم ، وإنما وقفت على ظواهرهم . وقيل المعنى إني لم أعلم أن اللّه سيهديهم ويضلكم ويوفقهم ويخذلكم ويرشدهم ويغويكم . إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ أي ما حسابهم والتفتيش عن ضمائرهم وأعمالهم إلا على اللّه ، لو كنتم من أهل الشعور والفهم ما عيرتموهم بصنائعهم . وقرىء يشعرون بالتحتية كأنه ترك الخطاب للكفار والتفت إلى الأخبار عنهم . قال الزجاج والصناعات لا تضر في باب الديانات ، وما أحسن ما قال : وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ هذا جواب من نوح على ما ظهر من كلامهم من طلب الطرد لهم إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي ما أنا إلا نذير موضح لما أمرني اللّه سبحانه بإبلاغه إليكم وهذه الجملة كالعلة لما قبلها .