صديق الحسيني القنوجي البخاري
83
فتح البيان في مقاصد القرآن
ممن يعطاها بلا تعب ومشقة كالإرث الحاصل للإنسان من غير تعب ، وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المحل للحال فيه . ولما طلب عليه السلام بالدعوة الأولى سعادة الدنيا ؛ طلب بهذه الدعوة سعادة الآخرة وهي جنة النعيم ، قيل : وجعلها مما يورث تشبيها لغنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا . وقد تقدم تفسير معنى الوراثة في سورة مريم . وَاغْفِرْ لِأَبِي كان أبوه قد وعده أنه يؤمن به فاستغفر له فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه ، وقد تقدم تفسير هذا مستوفى في سورة التوبة . وسورة مريم ، وعن ابن عباس قال : أمنن عليه بتوبة يستحق بها مغفرتك إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ أي : من المشركين الضالين عن طريق الهداية وكان زائدة على مذهب سيبويه كما تقدم في غير موضع . وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ أي لا تفضحني على رؤوس الإشهاد بمعاتبتي أو بمعاقبتي على ما فرطت ، أو لا تعذبني يوم القيامة ، وقال ذلك لخفاء العاقبة وجواز التعذيب عقلا . أو المعنى . لا تخزني بتعذيب أبي أو ببعثه في جملة الضالين أو بنقص رتبتي عن رتبة بعض الوراث . والإخزاء يطلق على الخزي وهو الهوان وعلى الخزاية وهي الحياء ، أي الاستحياء . أخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصني ؟ فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك . فيقول إبراهيم : رب إنك وعدتني إن لا تخزيني يوم يبعثون ، فأي خزي أخزى من أبي ( الأبعد ) فيقول اللّه إني حرمت الجنة على الكافرين . ثم يقول : ما تحت رجليك يا إبراهيم فإذا بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار ، والذيخ هو الذكر من الضباع فكأنه حوّل آزر إلى صورة ذيخ » « 1 » وقد أخرجه النسائي بأطول من هذا . يَوْمَ لا يَنْفَعُ فيه مالٌ وَلا بَنُونَ أحدا من الناس . والابن هو أخص القرابة وأولاهم بالحماية ، والدفع والنفع ، فإذا لم ينفع فغيره من القرابة والأعوان بالأولى . وقال ابن عطية إن هذا وما بعده من كلام اللّه ، وهو ضعيف ، والأظهر أنه من كلام إبراهيم إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قيل هو استثناء منقطع أي لكن من أتى اللّه . قال في الكشاف : إلا مال من أتى اللّه فقدر مضافا محذوفا قال أبو حيان : ولا ضرورة تدعو إلى ذلك . وقيل : إن هذا الاستثناء بدل من المفعول المحذوف ، أو مستثنى منه إذ التقدير لا ينفع مال ولا بنون أحدا من الناس إلا من كانت هذه صفته . ويحتمل أن يكون بدلا من فاعل ينفع ، فيكون مرفوعا . قال أبو البقاء : فيكون التقدير إلا مال من ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 8 .