صديق الحسيني القنوجي البخاري

73

فتح البيان في مقاصد القرآن

المشاكلة لأنه ذكر مع الالقاآت ؛ ولأنهم لسرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقوا وأخذوا فطرحوا على وجوههم ، وأنه تعالى ألقاهم بما خولهم من التوفيق . وقد تقدم بيان معنى ألقى ومن فاعله ، لوقوع التصريح به . قال الشهاب ففي ( فألقى ) استعارة تبعية حسنها المشاكلة ، وليس مجازا مرسلا وإن احتمله النظم ، ووجه الشبه عدم التمالك . قالُوا عند سجودهم ، بدل اشتمال من فَأُلْقِيَ أو حال بإضمار قد : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ قال عكرمة أمسوا سحرة وأصبحوا شهداء . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 48 إلى 58 ] رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 48 ) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 49 ) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 50 ) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ( 51 ) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 52 ) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 53 ) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( 54 ) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ ( 55 ) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ( 56 ) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 57 ) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 58 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ بدل للتوضيح والاشعار بأن سبب إيمانهم ما أجراه اللّه تعالى على يدهما ، لعلمهم بأن ما شاهدوه من العصا لا يتأتى بالسحر ، وأضافوه سبحانه إليهما لأنهما القائمان بالدعوة في تلك الحالة . وفيه تبكيت لفرعون ، فإن ليس برب وإن الرب في الحقيقة هو هذا . فلما سمع فرعون ذلك منهم ورأى سجودهم للّه . قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي بغير إذن مني ، قال ذلك لما خاف على قومه أن يتبعوا السحرة ، ثم قال مغالطا للسحرة الذين آمنوا وموهما للناس أن فعل موسى سحر من جنس ذلك السحر . إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ وإنما اعترص له بكونه كبيرهم ، مع كونهم لا يحب الاعتراف بشيء يرتفع به شأن موسى ، لأنه قد علم كل من حضر أن ما جاء به موسى أبهر مما جاء به السحرة ، فأراد أن يشكك على الناس بأن هذا الذي شاهدتم ، وإن كان قد فاق على ما فعله هؤلاء السحرة فهو فعل كبيرهم ، وهو من أستاذهم الذي أخذوا عنه هذه الصناعة ، فلا تظنوا أنه فعل لا يقدر عليه البشر وإنه من فعل الرب الذي يدعو إليه موسى ، ولا تعتقدوا أنّ السحرة آمنوا على بصيرة ، وظهور حق ، يعني أن غلبته عليكم لم تكن بالعجز الإلهي ، بما لم يعلمكم من السحر ، وأنتم لضعف عقولكم حسبتم أنه غلبكم بغير جنس السحر ، فآمنتم . ثم توعد أولئك السحرة الذين آمنوا باللّه لما قهرتهم حجة اللّه فقال : فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وبال ما فعلتم وما ينالكم مني . أجمل التهديد أولا للتهويل ، ثم فصله فقال :