صديق الحسيني القنوجي البخاري
71
فتح البيان في مقاصد القرآن
قالَ لِلْمَلَإِ مستقرّين حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ فائق في علم السحر ، وكان زمان السحر فلهذا روج فرعون هذا القول على قوله ، ثم قال على سبيل التنفير : يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ [ الشعراء : 35 ] لئلا يقبلوا قول موسى عليه الصلاة والسلام . فَما ذا تَأْمُرُونَ أي ما رأيكم فيه ؟ وما مشورتكم في مثله ؟ فأظهر لهم الميل إلى ما يقولونه تألّفا لهم ، واستجلابا لمودتهم ، لأنه قد أشرف ما كان فيه من دعوى الربوبية على الزوال ، وقارب ما كان يعزز به عليهم الاضمحلال ، وإلّا فهو أكبر تيها ، وأعظم كبرا من أن يخاطبهم مثل هذه المخاطبة ، المشعرة بأنه فرد من أفرادهم ، وواحد منهم ، مع كونه قبل هذا الوقت يدعي أنه إلههم ، ويذعنون له بذلك ويصدقونه في دعواه . قال أبو السعود : بهره سلطان المعجزة ، وحيره حتى حطه عن ذروة ادعاء الربوبية إلى حضيض الخضوع لعبيده في زعمه ، والامتثال بأمرهم ، أو إلى مقام مؤامرتهم ومشاورتهم ، بعد ما كان مستقلّا بالرأي والتدبير ، وأظهر استشعار الخوف من استيلائه على ملكه ، ونسبة الإخراج والأرض إليهم لتنفيرهم عن موسى عليه السلام . قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ أخرّ أمرهما ، من أرجيته إذا أخرته . وقيل المعنى أحبسهما وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ للسحرة ، وهم الشرط الذين يحشرون الناس ، أي يجمعونهم يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ هذا ما أشاروا به عليه ، وجاؤوا بكلمة الإحاطة وصيغة المبالغة ليسكنوا بعض قلقه . والمراد بالسحار العليم الفائق في معرفة السحر وصنعته ، أي : يفضل موسى ويفوق ويزيد عليه في علم السحر . فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ هو يوم الزينة كما في قوله : قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ [ طه : 59 ] . وكان يوم عيد لهم أو يوق سوق ، وميقاته وقت الضحى لأنه الوقت الذي وقّته لهم موسى من يوم الزينة حيث قال : وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [ طه : 59 ] والميقات ما وقت ، أي حد من زمان ، أو مكان . ومنه مواقيت الإحرام والصلاة . وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ حثّا لهم على الاجتماع ليشاهدوا ما يكون من موسى والسحرة ، ولمن تكون الغلبة ، وكان ذلك ثقة من فرعون بالظهور ؛ وطلبا أن يكون بمجمع من الناس حتى لا يؤمن بموسى أحد منهم ، فوقع ذلك من موسى الذي يريده ، لأنه يعلم أنّ حجة اللّه هي الغالبة وحجة الكافرين هي الداحضة ، وفي ظهور حجة اللّه بمجمع من الناس زيادة في الاستظهار للمحقين ، والانقهار للمبطلين . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 40 إلى 47 ] لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ( 40 ) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 41 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 42 ) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 43 ) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ( 44 ) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 45 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 46 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 47 )