صديق الحسيني القنوجي البخاري

62

فتح البيان في مقاصد القرآن

الْمُبِينِ أي : المبين المظهر للحق من الباطل ، أو المبين الظاهر إعجازه إن كان من أبان اللازم بمعنى بأن وهذا المعنى أليق بالمقام : وأوفق للمرام ، ولذا اقتصر عليه صاحب الكشاف . لَعَلَّكَ باخِعٌ أي : قاتل ومهلك نَفْسَكَ لعل هنا للإشفاق أي : أشفق عليها بتخفيف هذا الغم ، والبخع في الأصل أن يبلغ بالذبح البخاع ، وهو عرق في القفا ، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الكهف وقرىء باخِعٌ نَفْسَكَ بالإضافة ، والمعنى لعلك قاتل نفسك . أَلَّا يَكُونُوا أي أهل مكة مُؤْمِنِينَ أي : لعدم إيمانهم بما جئت به ، وفي هذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأنه كان حريصا على إيمان قومه شديد الأسف لما يراه من إعراضهم . إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً مستأنفة مسوقة لتعليل ما سبق من التسلية ، والمعنى ننزل آية تلجئهم إلى الإيمان ولكن قد سبق القضاء بأنا لا ننزل ذلك ، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر . فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ أي أنهم صاروا منقادين لها أي فتظل أعناقهم ، قيل : وأصله فظلوا لها خاضعين ، فأقحمت ( الأعناق ) للتقرير والتصوير ، لأن الأعناق موضع الخضوع . وقيل : إنها لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم ، ووصفت بما يوصفون به . قال عيسى بن عمر : وخاضعين وخاضعة سواء واختاره المبرد ، والمعنى أنها إذا ذلت رقابهم ذلوا ، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها ، ويسوغ في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأول ويخبر عن الثاني . وقال أبو عبيد والكسائي : إنّ المعنى خاضعيها هم وضعفه النحاس . وقال مجاهد : أعناقهم كبراؤهم . قال النحاس : وهذا معروف في اللغة ، يقال جاءني عنق من الناس ، أي : رؤساء منهم وقال أبو زيد ، والأخفش : أعناقهم جماعاتهم ، يقال : جاءني عنق منهم أي : جماعة ، وقال ابن عباس : خاضعين ذليلين . وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ مزيدة لتأكيد المعنى ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ لابتداء الغاية مُحْدَثٍ إنزاله ، وكلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول . إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ أي إنه لا يجدد لهم موعظة وتذكيرا إلا جددوا ما هو نقيض المقصود ، وهو الإعراض والتكذيب والاستهزاء والجملة حالية ، والاستثناء مفرغ من أعم العام . وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء . فَقَدْ كَذَّبُوا بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا صريحا ، ولم يكتفوا بمجرد الإعراض .