صديق الحسيني القنوجي البخاري
6
فتح البيان في مقاصد القرآن
بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم وهذا يدل على غاية عجزهم ، ونهاية ضعفهم ، ثم زاد في بيان عجزهم فنص على هذه الأمور فقال : وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً أي لا يقدرون على إماتة الأحياء ، ولا إحياء الموتى ، ولا بعثهم من القبور ، لأن النشور هو الإحياء بعد الموت ، يقال : أنشر اللّه الموتى ، فنشروا . وقدم الموت لمناسبته للضر المتقدم ولما فرغ سبحانه من بيان التوحيد وتزييف مذاهب المشركين ، شرع في ذكر شبه منكري النبوة ، فالشبهة الأولى ما حكاه عنه بقوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي مشركو العرب إِنْ هَذا أي ما هذا القرآن إِلَّا إِفْكٌ أي كذب افْتَراهُ أي اختلقه محمد صلّى اللّه عليه وسلم وَأَعانَهُ عَلَيْهِ أي على الاختلاق قَوْمٌ آخَرُونَ يعنون من اليهود قيل وهم أبو فكيهة يسار مولى الحضرمي ، وعداس مولى حويطب بن عبد العزى ، وجبر مولى ابن عامر ، وكان هؤلاء الثلاثة من اليهود ، وقد مر الكلام على مثل هذا في سورة النحل ، ثم رد اللّه سبحانه عليهم فقال : فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً أي فقد قالوا ظلما هائلا عظيما وكذبا ظاهرا ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنهما أمران متغايران حقيقة بل على أن الثاني هو عين الأول حقيقة ، وإنما الترتيب بحسب التغاير الاعتباري فإن فَقَدْ لتحقيق ما جاؤوا به من الظلم والزور ، وانتصاب ظُلْماً بجاؤوا فإن جاء قد تستعمل استعمال أتى ، وتعدى تعديته ، وقال الزجاج : الأصل جاؤوا بظلم ، وقيل على الحال ، وإنما كان ذلك منهم ظلما لأنهم نسبوا القبيح إلى من هو مبرأ منه . فقد وضعوا الشيء في غير موضعه ، وهذا هو الظلم . وقيل هو جعل الكلام المعجز إفكا مختلقا متلفقا من اليهود ، وأما كون ذلك منهم زورا فظاهر لأنهم قد كذبوا في هذه المقالة ، ثم ذكر الشبهة الثانية فقال : وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي أحاديثهم ، وما سطروه من الأخبار مثل خبر رستم وإسفنديار . قال الزجاج : واحد الأساطير أسطورة ، مثل أحاديث وأحدوثة ، وقال غيره : جمع أسطار ، مثل أقاويل وأقوال اكْتَتَبَها أي استكتبها أو كتبها لنفسه ، أو المعنى جمعها من الكتب ، وهو الجمع لأمر الكتابة بالقلم ، والأول أولى . ومحل اكتتبها النصب على الحال ، أو الرفع على أنه خبر ثان . وقرىء اكتتبها مبنيا للمفعول والمعنى اكتتبها له كاتب ، لأنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ . فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ أي تلقى عليه تلك الأساطير بعدما اكتتبها ليحفظها من أفواه من يميلها عليه من ذلك المكتتب . لكونه أميا لا يقدر على أن يقرأها من ذلك المكتوب بنفسه . أو المعنى أراد اكتتابها فهي تملي عليه لأنه يقال أمليت عليه فهو