صديق الحسيني القنوجي البخاري
597
فتح البيان في مقاصد القرآن
نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ الظرف متعلق بمحذوف هو اذكر ، ولا يصح تعلقه بالمرسلين لأنه لم يرسل وقت تنجيته . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 135 إلى 144 ] إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ ( 135 ) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ( 136 ) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 138 ) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 139 ) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 140 ) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ( 141 ) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 142 ) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( 143 ) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 144 ) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ قد تقدم أن الغابر بكون بمعنى الماضي ويكون بمعنى الباقي . فالمعنى : إلا عجوزا في الباقين في العذاب أو الماضين الذين قد هلكوا ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ أي أهلكناهم بالعقوبة والمعنى : أن في نجاته وأهله جميعا إلا العجوز وتدمير الباقين من قومه الذين لم يؤمنوا به دلالة بينة على ثبوت كونه من المرسلين . وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ خاطب بهذا العرب أو كفار مكة على الخصوص أي تمرون على منازلهم التي فيها آثار العذاب مُصْبِحِينَ أي داخلين في وقت الصباح وهو من أصبح التامة وَبِاللَّيْلِ المعنى تمرون على منازلهم في ذهابكم إلى الشام ورجوعكم منه نهارا وليلا ، والوقف عليه مطلق والياء للملابسة . أَ فَلا تَعْقِلُونَ ما تشاهدونه في ديارهم من آثار عقوبة اللّه النازلة بهم ، فإن في ذلك عبرة للمعتبرين وموعظة للمتدبرين . وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام كما ختم قصة من قبلهما لأن اللّه تعالى قد سلم على جميع المرسلين في آخر السورة فاكتفى بذلك عن ذكر كل واحد منفردا بالسلام . وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ يونس هو ذو النون وهو ابن متى ، قال المفسرون : وكان يونس قد وعد قومه العذاب فلما تأخر عنهم العذاب خرج عنهم وقصد البحر وركب السفينة ، فكان بذهابه إلى البحر كالفار من مولاه فوصف بالإباق وهو معنى قوله : إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي المملوء وأصل الإباق الهرب من السيد ، لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه وصف به فهو استعارة تصريحية أو مجاز مرسل من استعمال المقيد في المطلق وقال المبرد : تأويل ابق تباعد أي ذهب إليه . ومن ذلك قولهم عبد أبق . وقد اختلف أهل العلم : هل كانت رسالته قبل التقام الحوت إياه أو بعده ؟ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ المساهمة : أصلها المغالبة وهي الاقتراع ، وهو أن يخرج السهم على من غلب ، قال المبرد : أي فقارع أهل السفينة ، قال : وأصله من السهام التي تجال ، والمعنى : فصار من المغلوبين . قال : يقال دحضت حجته وأدحضها اللّه وأصله من الزلق عن مقام الظفر ، قال ابن عباس اقترع فكان من المقروعين .