صديق الحسيني القنوجي البخاري
591
فتح البيان في مقاصد القرآن
رفعه ، فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل ، لأنه لو حصل الفراغ من امتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفداء ، قال : ومعنى صدقت الرؤيا فعلت ما أمكنك ، ثم امتنعت لما منعناك ، هذا أصح ما قيل في هذا الباب ، وقالت طائفة : ليس هذا مما ينسخ بوجه لأن معنى ذبحت الشيء قطعته ، وقد كان إبراهيم يأخذ السكين فيمر بها على حلقه فتنقلب كما قال مجاهد . وقال بعضهم : كان كلما قطع جزءا التأم وقالت طائفة منهم السدي : ضرب اللّه على عنقه صفحة نحاس فجعل إبراهيم يحز ولا يقطع شيئا وهذا كله جائز في القدرة الإلهية ، لكنه يفتقر إلى نقل صحيح فإنه أمر لا يدرك بالنظر وإنما طريقه الخبر ، ولو كان قد جرى لبينه اللّه تعظيما لرتبة إسماعيل وإبراهيم وكان أولى بالبيان من الفداء . وقال بعضهم : إن إبراهيم ما أمر بالذبح الحقيقي الذي هو فري الأوداج وإنهار الدم ، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي فلما أتى بما أمر به من الإضجاع قيل له : قد صدقت الرؤيا وهذا كله خارج عن المفهوم . ولا يظن بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر ما ليس له حقيقة ، حتى يكون منهما التوهم ، وأيضا لو صحت هذه الأشياء لما احتيج إلى الفداء . أخرج الطبراني عن ابن عباس قال : « لما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق قال لأبيه : إذا ذبحتني فاعتزل لا أضطرب فينتضخ عليك دمي ، فشده فلما أخذ الشفرة وأراد أن يذبحه نودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا » ، واخرج أحمد عنه مرفوعا مثله مع زيادة ، وأخرج عنه موقوفا . وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق مجاهد عنه قال : « فلما أسلما سلما ما أمرا به وتله وضع وجهه إلى الأرض فقال : لا تذبحني وأنت تنظر ، عسى أن ترحمني فلا تجهز علي ، وأن أجزع فأنكص فأمتنع منك ، ولكن اربط يدي إلى رقبتي ثم ضع وجهي إلى الأرض فلما أدخل يده ليذبحه فلم تحل المدية حتى نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فأمسك يده . وعنه أيضا قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « رؤيا الأنبياء وحي » « 1 » ، أخرجه ابن أبي حاتم وأخرجه البخاري وغيره من قول عبيد بن عمير ، واستدل بهذه الآية . إِنَّا كَذلِكَ أي كما جزيناك نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي نجزيهم بامتثال الأمر بالخلاص من الشدائد والسلامة من المحن . فالجملة كالتعليل لما قبلها قال مقاتل : جزاه اللّه سبحانه إحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الوضوء باب 5 ، والأذان باب 161 .