صديق الحسيني القنوجي البخاري
582
فتح البيان في مقاصد القرآن
الملائكة ، والجن والإنس ، وهذا يدل على عدم اختصاص ذلك بأمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم كما قيل : إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ هذه الجملة تعليل لما قبلها من التكرمة لنوح بإجابة دعائه وبقاء الثناء من اللّه عليه ، وبقاء ذريته أي إنا كذلك نجزي من كان محسنا في أقواله وأفعاله ، راسخا في الإحسان معروفا به ، والكاف في كذلك نعت مصدر محذوف أي جزاء كذلك الجزاء . إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ هذا بيان لكونه من المحسنين وتعليل له بأنه كان عبدا مؤمنا مخلصا للّه وذلك إجلال لشأن الإيمان وشرفه وترغيب في تحصيله والثبات عليه ، والازدياد منه . كما قال في مدح إبراهيم : وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ البقرة : 130 ] وفيه من الدلالة على جلالة قدرهما ما لا يخفى ، فلا يقال : كيف مدح الرسول بذلك ؟ مع أن مرتبتهم فوق مرتبة المؤمنين . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ أي الكفرة الذين لم يؤمنوا باللّه ولا صدقوا نوحا معطوف على نجيناه ، والترتيب حقيقي لأن نجاتهم بركوب السفينة حصلت قبل غرق الباقين ، والشهاب فهم أنه معطوف على قوله : وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ فجعل الترتيب إخباريا لأن إغراق الآخرين كان قبل جعل ذريته باقين ، ثم ذكر سبحانه قصة إبراهيم وبين أنه ممن شايع نوحا فقال . وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ أي من أهل دينه وممن شايعه ووافقه على الدعاء إلى اللّه ، وإلى توحيده والإيمان به ، قال مجاهد وابن عباس أي على منهاجه وسنته ، قال الأصمعي : الشيعة الأعوان ، وهو مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار التي توقد مع الكبار حتى تستوقد ، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة ، وما كان بينهما إلا نبيان هود وصالح والذين قبل نوح ثلاثة إدريس وشيث وآدم ، فجملة من قبل إبراهيم من الأنبياء ستة ، والمعنى كان من أتباعه في أصل الدين وإن اختلفت فروع شرائعهما أو كان بين شريعتهما اتفاق كلي أو أكثري ، وإن طال الزمان ، وقال الفراء : المعنى وإن من شيعة محمد لإبراهيم ، فالهاء على هذا في شيعته لمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم وكذا قال الكلبي ، ولا يخفى ما في هذا من الضعف والمخالفة للسياق . إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أي مخلص من الشرك والشك أو من آفات القلوب وقيل : هو الناصح للّه في خلقه ، وقيل : الذي يعلم أن اللّه حق وأن الساعة قائمة وأن اللّه يبعث من في القبور ، ومعنى مجيئه إلى ربه يحتمل وجهين أحدهما عند دعائه إلى توحيده وطاعته ، والثاني عند إلقائه في النار ، وجاء استعارة تصريحية تبعية . شبه إخلاصه قلبه بمجيئه بتحفة كأنه جاء به تحفة من عنده في أنه فاز بما يستجلب به