صديق الحسيني القنوجي البخاري

58

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أي قدوة يقتدي بنا في الخير وإقامة مراسم الدين بإفاضة العلم والتوفيق للعمل الصالح . وإنما قال إماما ولم يقل أئمة لأنه أريد الجنس ، كقوله : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [ غافر : 67 ] قال الفراء : قال إماما ، ولم يقل أئمة كما للاثنين إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 16 ] يعني أنه من الواحد الذي أريد به الجمع وقال الأخفش : الإمام جمع أم من أم يؤم جمع على فعال نحو صاحب وصحاب وقائم وقيام ، وقيل إن إماما مصدر ، يقال أم فلان فلانا إماما مثل الصيام والقيام ، وقيل أرادوا اجعل كل واحد منا إماما ، وقيل أرادوا اجعلنا إماما واحدا ، لاتحاد كلمتنا واتفاق طريقتنا وقيل : إنه من الكلام المقلوب وأن المعنى واجعل المتقين لنا إماما . وبه قال مجاهد . وقيل : إن هذا الدعاء صادر عنهم بطريق الانفراد وإن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء واجعلني للمتقين إماما ولكنها حكيت عبارات القوم بصيغة المتكلم ، مع الغير لقصد الإيجاز ، كقوله : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً [ المؤمنون : 51 ] ، وفي هذا إبقاء إماما على حاله قال القفال : وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل اجعلنا حجة للمتقين . ومثله البينة ، يقال هؤلاء بينة فلان ، قال الحفناوي : ولفظ إمام يستوي فيه الجمع وغيره ، فالمطابقة حاصلة . قال النيسابوري : قيل في الآية دلالة على أن الرياسة الدينية مما يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا اللّه أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم وقال ابن عباس في الآية : أئمة هدى يهتدي بنا ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال لأهل السعادة : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [ الأنبياء : 73 ] ولأهل الشقاوة وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [ القصص : 41 ] . أُوْلئِكَ إشارة إلى المتّصفين بتلك الصفات المفصلة في حيز الموصولات الثمانية من حيث اتصافهم بها وفيه دليل على أنهم متميزون بذلك أكمل تميز ومنتظمون في سلك الأمور المشاهدة وهو مبتدأ وخبره ما بعده والجملة مستأنفة وقيل ذلك يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ أي الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا ، وهي في الأصل كل بناء مرتفع والجمع غرف ؛ وقال الضحاك : الغرفة الجنة أي يجزون الجنة ، ووحد الغرفة لدلالتها على الجنس دليله قوله : وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [ سبأ : 37 ] . وعن سهل بن سعد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « الغرفة من ياقوته حمراء وزبرجدة خضراء ودرة بيضاء ليس فيها فصم ولا وصم » أخرجه الحكيم الترمذي بِما صَبَرُوا أي بسبب صبرهم على مشاق التكليفات والطاعات ورفض الأهواء والشهوات وتحمل المجاهدات .