صديق الحسيني القنوجي البخاري
577
فتح البيان في مقاصد القرآن
هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب ؟ أم لا ؟ على قولين أحدهما : أنها معروفة من شجر الدنيا ، فقال قطرب : إنها شجرة مرة كريهة الرائحة تكون بتهامة من أخبث الشجر ، وقال غيره : بل هو كل نبات قاتل ، وقيل : شجرة مسمومة متى مست جسد أحد تورم فمات والإضافة من إضافة المسمى إلى الاسم . القول الثاني : أنها غير معروفة في شجر الدنيا ؛ وقيل : إنه قال ابن الزبعري لصناديد قريش : إن محمدا يخوفنا بالزقوم وهي بلسان بربر الزبد والتمر ، وقيل : هي بلغة أهل اليمن ؛ قال قتادة : لما ذكر اللّه هذه الشجرة افتتن بها الظلمة فقالوا كيف تكون في النار شجرة ؟ فأنزل اللّه تعالى : إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ قال الزجاج : أي حين افتتنوا بها وكذبوا بوجودها ، ولم يعلموا أن من يقدر على خلق حيوان وهو السمندل يعيش في النار ؛ ويتلذذ بها يقدر على خلق الشجر في النار وحفظه منها ، وقيل : معنى جعلها فتنة لهم أنها محنة لهم لكونهم يعذبون بها ؛ والمراد بالظالمين هنا الكفار أو أهل المعاصي الموجبة للنار ، ثم بين سبحانه أوصاف هذه الشجرة ردا على منكريها فقال : إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ أي تنبت فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ أي في قعرها وأسفلها قال الحسن : أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترفع إلى دركاتها . أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : مرّ أبو جهل برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وهو جالس فلما بعد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم « أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى » ؛ فلما سمع أبو جهل قال : من توعد يا محمد ؟ قال إياك ، قال بم توعدني ، قال أوعدك بالعزيز الكريم فقال : أبو جهل أليس أنا العزيز الكريم ؟ فأنزل اللّه : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ إلى قوله : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ فلما بلغ أبا جهل ما نزل فيه جمع أصحابه فأخرج إليهم زبدا وتمرا فقال : تزقموا من هذا فو اللّه ما يتوعدكم محمد إلّا بهذا فأنزل اللّه : إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ الآية ؛ وعنه قال : لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت إلى الأرض لأفسدت على الناس معايشهم ، ثم قال اللّه تعالى : طَلْعُها الطلع حقيقة اسم لثمر النخل أول بروزه ، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة ، والمعنى ثمرها وما تحمله كَأَنَّهُ في تناهي قبحه وهوله وشناعة منظره رُؤُسُ الشَّياطِينِ فشبه المحسوس بالمتخيل ؛ وإن كان غير مرئي للدلالة على أنه غاية في القبح كما يقولون في تشبيه من يستقبحونه كأنه شيطان ، وفي تشبيه من يستحسنونه كأنه ملك كما في قوله تعالى : ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [ يوسف : 31 ] . قال الزجاج والفراء : الشياطين حيات هائلة لها رؤوس وأطراف ، وهي من أقبح