صديق الحسيني القنوجي البخاري

543

فتح البيان في مقاصد القرآن

ولكنه أضاف الأموال إليهم جميعا ليعلم كل فرد أن المال الذي في يده هو مال الأمة ، وأن أموال الأفراد تكون الثروة العامة للأمة ، فأبو قتادة حين دفع دين الميت المدين لم يزد على أن تصدق على ورثته بما يؤدي دينه ، فإن كان هناك ثواب يرجى ، وأجر يمنح ، فهو لهذا المتصدق ولا شيء منه للميت إذ لا سعي له ولا عمل ، وإن كان الميت سيىء القصد ، فاسد النية مات وهو مصر على عدم الوفاء ، فإنّ وفاء أبي قتادة لا يغني عنه شيئا . فبطل القول بأن في هذا انتفاع الميت بعمل غيره وثبت أن ليس للإنسان إلا ما سعى ولا يظلم ربك أحدا . قال ابن تيمية : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لمن صلى وحده ؛ ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه ؟ قد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير . نقول : بل حصل له فضل الجماعة بنيته إذ لو بقي على نية الصلاة فذا لم يحصل له فضل الجماعة ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى » « 1 » ولو خرج من بيته يريد أن يصلي في المسجد في جماعة ، فلم يجد أحدا واضطر أن يصلي منفردا لكان له أجر نيته ، ولو اكتظ المسجد بالمسلمين وصلوا كلهم أفذاذا لم يكن لأحد منهم فضل الجماعة . وإذا لا يكسب فضل الجماعة إلا بالنية ، ونية الرجل من كسبه وسعيه وعمله فلا يصح أن يقال : إن هذا حصل له فضل الجماعة بعمل غيره وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [ الأحزاب : 4 ] . ثم قال ابن تيمية : الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه ، وهو عمل غيره . ونقول : كلا بل انتفاعه بعمل نفسه ، فلو لا أنه من زمرة المسلمين ما فرض اللّه على المسلمين الصلاة عليه ، فصلاة المسلمين عليه ودعاؤهم له من ثواب إيمانه ، وإيمانه من كسبه كما تقدم ، فلو لم يكن مؤمنا ما صلى عليه المؤمنون ، ولا دعوا له . * * * ويظهر أن الإمام ابن تيمية قد رجع عن كل ما قاله هنا ، فقد قال في بعض فتاويه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب 1 ، والإيمان باب 41 ، والإكراه في الترجمة ، والنكاح باب 5 ، والطلاق باب 11 ، ومناقب الأنصار باب 45 ، والعتق باب 6 ، والأيمان باب 23 ، الحيل باب 1 ، ومسلم في الإمارة حديث 155 ، وأبو داود في الطلاق باب 11 ، والترمذي في فضائل الجهاد باب 16 ، والنسائي في الطهارة باب 59 ، والطلاق باب 24 ، والأيمان باب 19 ، وابن ماجة في الزهد باب 26 ، وأحمد في المسند 1 / 25 ، 43 .