صديق الحسيني القنوجي البخاري
541
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ غافر : 7 - 9 ] . ألم تر كيف وقف الملائكة عند حدهم ولم يطلبوا من ربهم إلا ما يقتضيه عدله وحكمته ؟ ليس هذا الدعاء والاستغفار إلا تسبيحا للّه وتنزيها له بذكر صفات فضله وعدله ورحمته ، فحين أخبر اللّه تعالى عن ملائكته الكرام أنهم يستغفرون لم يذكر أنهم يستغفرون لكل من دب ودرج على وجه الأرض ولكن ذكر أنهم يستغفرون للذين آمنوا ؛ فدل على أن استغفار الملائكة للمؤمنين من ثواب إيمانهم . وحين حكى سبحانه قوله بين أنهم لم يقولون : اغفر لكل مصر على ذنبه ، أو مجاهر بمعصية ربه . بل بين أنهم يقولون : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [ غافر : 7 ] . فقد أثنوا على اللّه تعالى بسعة الرحمة والعلم ، وسألوه أن يغفر للذين تابوا واتبعوا سبيله : أي سلكوا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين : ولا جرم أن اللّه تعالى وعد أن يغفر لهؤلاء جميعا . فالملائكة الكرام لا يسألون ربهم إلا تصديق وعده ، بدليل قوله تعالى : رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ [ غافر : 8 ] . وحين طلبوا ذلك لمن يتصل بهم من أولي قرباهم ، لم يطلبوه لكل قريب ولو خب في الإثم ووضع ، ولو تمرغ في حمأة الفساد بل طلبوه لمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم . فهم لم يطلبوا المغفرة إلا لأهل الصلاح . فلو لا أنهم مؤمنون ، وأنهم تابوا واتبعوا سبيل اللّه ، ولولا أن آباءهم وأزواجهم وذرياتهم صالحون ما استغفرت لهم الملائكة . إذا لا يكون استغفار الملائكة إلا ثوابا لإيمانهم وتوبتهم واتباعهم سبيل اللّه . وإذا فهم ينتفعون بإيمانهم وتوبتهم واتباعهم سبيل اللّه أي أنهم منتفعون بسعيهم وكسبهم وعملهم . فكيف يقال : إن هؤلاء منتفعون بعمل غيرهم ؟ ثم قال رحمه اللّه : ثامنها : إن الميت ينتفع بالصدقة عنه والحج والصوم وبالعتق بنص السنة والإجماع ، وهو من عمل الغير .