صديق الحسيني القنوجي البخاري

54

فتح البيان في مقاصد القرآن

ونزلت : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ « 1 » [ الزمر : 53 ] الآية . وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها بسبب من الأسباب إِلَّا بِالْحَقِّ أي بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها ، أي بما يحق أن تقتل به النفوس ، من كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير نفس وَلا يَزْنُونَ أي لا يستحلون الفروج المحرمة بغير نكاح ولا ملك يمين . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي شيئا مما ذكر يَلْقَ أَثاماً هو في كلام العرب العقاب ، قال الفراء : آثمه اللّه يوثمه آثاما وأثاما ، أي جازاه جزاء الإثم فهو مأثوم ، أي مجزى جزاء الإثم . وقال عبد اللّه بن عمر وعكرمة ومجاهد : إن أثاما واد في جهنم جعله اللّه عقابا للكفرة وقال السدي : جبل فيها . وقرىء يَلْقَ بضم الياء وتشديد القاف ، قال أبو مسلم : الأثام والإثم واحد . والمراد هنا جزاء الآثام . فأطلق اسم الشيء على جزائه ، وقرأ الحسن أياما جمع يوم يعني شدائد ، والعرب تعبر عن ذلك بالأيام ، وما أظن هذه القراءة تصح عنه . يُضاعَفْ وقرىء يضعّف بالتشديد ، وكل من القراءتين يجيء مع جزم الفعل ، ورفعه فالقراآت أربع وكلها سبعية ، وقرىء نضعّف بضم النون ، وكسر العين المشددة والجزم . لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ سبب المضاعفة أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك ، يضاعف له العذاب على شركه ومعصيته وَيَخْلُدْ وقرىء بالفوقية ، خطابا للكافر ، وقرىء يخلّد بضم الياء وفتح اللام ، قال أبو علي الفارسي : وهي غلط من جهة الرواية وضمير فِيهِ راجع إلى العذاب المضاعف ، وقرىء فيها بالإشباع مبالغة في الوعيد ، والعرب تمد للمبالغة ، مع أن الأصل في هاء الكناية الإشباع ، مُهاناً ذليلا حقيرا جامعا للعذاب الجسماني والروحاني . قال ابن عباس : قرأناها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سنين ثم نزلت . إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها ، وفرحه ب إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [ الفتح : 1 ] . قيل والاستثناء متصل من الضمير المستتر في يلق ، أي إلا من تاب ، فلا يلق أثاما بل يزاد له في الإكرام بتبديل سيئآته حسنات . وقيل منقطع . قال أبو حيان : لا يظهر الاتصال لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب ، فيصير التقدير إلا من تاب وآمن وعمل صالحا . فلا يضاعف له العذاب . ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 25 ، باب 2 ، ومسلم في الإيمان حديث 193 ، والنسائي في التحريم باب 2 .