صديق الحسيني القنوجي البخاري
538
فتح البيان في مقاصد القرآن
الإنسان في الآخرة مجزى بعمله لا بعمل غيره كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ المدثر : 38 ] فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] . غير أن المسلمين اليوم وقيل اليوم درجوا على الانصراف عن هذه القاعدة فتراهم يقرأون القرآن على الموتى ويتصدقون عنهم ويدعون لهم سواء في ذلك الولد على الوالد أو الوالد على الولد ، أو الزوجة على زوجها : أو الزوج على زوجته أو الأقارب والأصهار . وإذا صارحناهم بأن هذا خطأ لا يقره دين ولا شريعة قالوا : كيف هذا والناس عليه من قديم ، والشيوخ في هذا العصر لا ينكرون . فإذا قلنا لهم إن الحجة في كلام اللّه ورسوله فقط لا في عمل الجماهير وسكوت الشيوخ قالوا : إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد جوز هذا في بعض كتبه وهو عالم كبير وله شهرة واسعة في الدفاع عن السنة ومحاربة البدع . ونحن نورد هنا ما قاله ابن تيمية وما رد به عليه أستاذ جليل محقق يحب ابن تيمية ولكن حبه للحق أكبر ، قال الأستاذ : قال ابن تيمية : من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بما عمله فقوله باطل من وجوه : إحدها : أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره ، وهذا انتفاع بعمل الغير . والجواب إن الداعي للإنسان إما أن يكون ولده وإما أن يكون غير ولده أما الولد فقد بينت السنة أن عمله استمرار لعمل الوالد : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث . . . أو ولد صالح يدعو له » « 1 » فدعوة الولد من سعي الوالد وعمله . وأما إذا كان الداعي غير ولده فقد أثبت الواقع المشاهد الذي لا ينكره إلا معاند أن أحدا لا يدعو لأحد إلا لإحسان أو بر نال الداعي من المدعو له وما رأينا أحدا يدعو لأحد اعتباطا أو مجانا . ولا شك أن البر والإحسان إلى المسلمين من الطاعات . وهي من كسب الشخص وسعيه وعمله ، فإذا استجاب اللّه دعاء الداعي للبار المحسن ، كان ذلك ثوابا لإحسانه وبره ، وبذلك يكون الشخص قد انتفع بكسبه وسعيه وعمله ، إذ لولا الإحسان والبر ما دعا الداعي . فقد انتفع الشخص بكسبه وسعيه وعمله لا بعمل غيره . وإذا فرضنا أن الداعي لم ينله من المدعو له إحسان ولا بر ، أفلا يدعو له بالخير
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الوصية حديث 14 ، وأبو داود في الوصايا باب 14 ، والترمذي في الأحكام باب 36 ، والنسائي في الوصايا باب 8 ، وأحمد في المسند 2 / 316 ، 350 ، 372 .