صديق الحسيني القنوجي البخاري
529
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَهُمْ لَها مالِكُونَ أي ضابطون قاهرون ، يتصرفون بها كيف شاؤوا ، ولو خلقناها وحشية لنفرت عنهم ولم يقدروا على ضبطها ، أو المراد أنها صارت في أملاكهم ومعدودة في جملة أموالهم المنسوبة إليهم نسبة الملك ، وهذا أظهر ليكون قوله : وَذَلَّلْناها لَهُمْ تأسيسا لنعمه على حيالها لا تتمة لما قبلها . أي : جعلناها لهم مسخرة لا تمتنع مما يريدون منها من منافعهم حتى الذبح ، ويقودها الصبي فتنقاد له ، ويزجرها فتنزجر . فَمِنْها رَكُوبُهُمْ الفاء لتفريع أحكام التذليل عليه . أي : فمنها مركوبهم الذي يركبونه كما يقال : ناقة حلوب أي محلوبة يعني : معظم منافعها الركوب ، وعدم التعرض للحمل لكونه من تتمة الركوب . قرأ الجمهور : رَكُوبُهُمْ بفتح الراء وقرىء : بضمها على المصدر ، وقرأ أبي وعائشة : ركوبتهم . والركوب والركوبة واحد مثل الحلوب والحلوبة والحمول والحمولة . وقال أبو عبيدة : الركوبة تكون للواحدة والجماعة ، والركوب لا يكون إلا للجماعة ، وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز فمنها ركوبهم بضم الراء لأنه مصدر ، والركوب ما يركب وأجاز ذلك الفراء . كما يقال : فمنها أكلهم ومنها شربهم . وَمِنْها يَأْكُلُونَ أي يأكلونه من لحمها ومن للتبعيض ، وإنما غير الأسلوب هنا لأن الأكل يعم الأنعام كلها بخلاف الركوب فهو خاص بالإبل منها . وَلَهُمْ فِيها أي لهم في الأنعام بقسميها مَنافِعُ غير الركوب لها والأكل منها ، وهي ما ينتفعون به من أصوافها وأوبارها وأشعارها وما يتخذونه من الأدهان من شحومها ، وكذلك الحمل عليها والحراثة بها وجلودها ونسلها . وَ لهم فيها مَشارِبُ مما يحصل من ألبانها جمع مشرب وهو موضع الشرب أو الشراب والظاهر أن المراد به ضروعها . أَ فَلا يَشْكُرُونَ اللّه على هذه النعم ويوحدونه ويخصونه بالعبادة ، ثم ذكر سبحانه : جهلهم واغترارهم ووضعهم كفران النعم موضع شكرها فقال : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً من الأصنام ونحوها يعبدونها ولا قدرة لها على شيء ، ولم يحصل لهم منها فائدة ، ولا عاد عليهم من عبادتها عائدة . لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ أي رجاء أن ينصروا من جهتهم إن نزل بهم عذاب ، أو دهمهم أمر من الأمور . لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ مستأنفة لبيان بطلان ما رجوه منها وأملوه من نفعها ، وانعكاس تدبيرهم وجمعهم بالواو والنون جمع العقلاء بناء على زعم المشركين أنهم ينفعون ويضرون ويعقلون .