صديق الحسيني القنوجي البخاري

515

فتح البيان في مقاصد القرآن

يطعمه اللّه وهذا غلط منهم ومكابرة ومجادلة بالباطل فإن اللّه سبحانه أغنى بعض خلقه وأفقر بعضا ابتلاء ، فمنع الدنيا من الفقير لا بخلا ، وأعطى الدنيا للغني لا استحقاقا وأمر الغني أن يطعم الفقير وابتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة ولا اعتراض لأحد في مشيئة اللّه وحكمته في خلقه . والمؤمن يوافق أمر اللّه . وقولهم : من لو يشاء اللّه أطعمه هو وإن كان كلاما صحيحا في نفسه ولكنهم لما قصدوا به الإنكار لقدرة اللّه وإنكار الأمر بالإنفاق مع قدرة اللّه كان احتجاجهم من هذه الحيثية باطلا إِنْ أَنْتُمْ في قولكم لنا ذلك مع معتقدكم هذا إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي بين وهذا من تمام كلام الكفار ، والمعنى أنكم أيها المفسرون في سؤال المال وأمرنا بإطعام الفقراء لفي ضلال في غاية الوضوح والظهور ، وقيل : هو من كلام اللّه سبحانه جوابا على هذه المقالة التي قالها الكفار ، وقيل : هو من قول أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم لهم . وقال القشيري والماوردي : إن الآية نزلت في قوم من الزنادقة وقد كان في كفار قريش وغيرهم من سائر العرب قوم يتزندقون فلا يؤمنون بالصانع فقالوا هذه المقالة استهزاء بالمسلمين ومناقضة لهم ، وحكى نحو هذا القرطبي عن ابن عباس ولهذا أظهر في مقام الإضمار قيل : كان العاص بن وائل السهمي إذا سأله المسكين قاله له : اذهب إلى ربك فهو أولى مني بك ، ويقول : قد منعه اللّه أفأطعمه أنا . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 48 إلى 54 ] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 48 ) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ( 49 ) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ( 50 ) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ( 51 ) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ( 52 ) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 53 ) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 54 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي تعدوننا به من البعث والعذاب والقيامة والمصير إلى الجنة والنار ، وهذا رجوع للكلام مع الكفار من قريش المعترفين بوجود اللّه تعالى . إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تقولونه وتعدوننا به . قالوا ذلك استهزاء منهم ، وسخرية بالمؤمنين ، ومقصودهم إنكار ذلك بالمرة ونفي تحققه وجحد وقوعه ، فأجاب اللّه سبحانه عنهم بقوله : ما يَنْظُرُونَ أي ما ينتظرون . إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة إسرافيل في الصور ، وهذه النفخة هي الأولى وهي نفخة الصعق التي يموت بها من كان موجودا على وجه الأرض ، وجعلوا