صديق الحسيني القنوجي البخاري
505
فتح البيان في مقاصد القرآن
هذه القراءة : إن الاختيار النصب ، وأنها لو رفعت النكرة لكان صوابا . واستشهد بأشياء نقلها عن العرب منها أنه سمع منهم : يا مهتم ، بأمرنا لا تهتم . قال النحاس : وفي هذا إبطال باب النداء أو أكثره ، قال : وتقدير ما ذكره : يا أيها المهتم لا تهتم بأمرنا وحقيقة الحسرة أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرا ، قال ابن جرير : المعنى يا حسرة من العباد على أنفسهم وتندما وتلهفا في استهزائهم برسل اللّه ، وقرىء : يا حسرة العباد على الإضافة ، ورويت هذه القراءة عن أبيّ . وقال الضحاك : إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل ، وقيل : هي من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة . وقيل : إن القائل يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ هم الكفار المكذبون ، والعباد الرسل ، وذلك أنهم لما رأوا العذاب تحسروا على قتلهم وتمنوا الإيمان قاله أبو العالية ومجاهد . وقيل : إن التحسر عليهم هو من اللّه عز وجل بطريق الاستعارة لتعظيم ما جنوه ، وقرىء : يا حسره بسكون الهاء إجراء للوصل مجرى الوقف ، وقرىء يا حسرتا كما قرىء بذلك في سورة الزمر ، قال ابن عباس : أي يا ويلا للعباد ، وعنه قال : الندامة على العباد يوم القيامة وأل في العباد للجنس . ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ مستأنفة مسوقة لبيان ما كانوا عليه من تكذيب الرسل والاستهزاء بهم ، وأن ذلك هو سبب التحسر عليهم ، ثم عجب سبحانه من حالهم حيث لم يعتبروا بأمثالهم من الأمم الخالية فقال : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا أي ألم يعلموا كثرة من أهلكنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ التي أهلكناها من الأمم الخالية ، والاستفهام للتقرير على حد قوله : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : 1 ] . أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ بدل من أهلكنا على المعنى ، قال سيبويه : إنه بدل من كم وهي الخبرية فلذلك جاز أن يبدل منها ما ليس باستفهام ، والمعنى : ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا يرجعون . وقال الفراء : كم في موضع نصب من وجهين أحدهما ب يَرَوْا والوجه الآخر ب أَهْلَكْنا قال النحاس : القول الأول محال لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها لأنها استفهام ومحال أن يدخل الاستفهام في حيز ما قبله ، وكذا حكمها إذا كانت خبرا وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل أنهم بدلا من كم ، وقد رد ذلك المبرّد أشد رد ، ثم بين سبحانه رجوع الكل إلى الحشر بعد بيان عدم الرجوع إلى الدنيا فقال : وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ قرىء لما مشددا ومخففا ، قال : الفراء من شدد جعل لما بمعنى إلا وإن بمعنى ما أي ما كل إلا جميع ، ومعنى جميع مجموعون ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، ولدينا ظرف له وأما على قراءة التخفيف فإن هي المخففة من