صديق الحسيني القنوجي البخاري
502
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي أي أيّ مانع من جانبي يمنعني من عبادة الذي خلقني ، ثم رجع إلى خطابهم لبيان أنه ما أراد نفسه بل أرادهم بكلامه فقال : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أضاف الفطرة إلى نفسه ، والرجوع إليهم لأن الفطرة أثر النعمة وكانت عليه أظهر والرجوع فيه معنى الزجر ، فكان بهم أليق ، ولذلك لم يقل : إليه أرجع ، وفيه مبالغة في التهديد وهذه الطريقة أحسن من ادعاء الالتفات ثم عاد إلى المساق الأول وهو التلطف في الإرشاد والنصيحة لقصد التأكيد ومزيد الإيضاح فقال : أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ أي غيره آلِهَةً فجعل الإنكار متوجها إلى نفسه ، وهم المرادون به أي لا أتخذ من دون اللّه آلهة وأعبدها ، وأترك عبادة من يستحقها وهو الذي فطرني . ثم بين حال هذه الأصنام التي يعبدونها من دون اللّه سبحانه إنكارا عليهم وبيانا لضلال عقولهم وقصور إدراكهم فقال : إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ أي بسوء ومكروه شرط وجوابه لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً من النفع كائنا ما كان أي لا شفاعة لها فتغني عني وَلا يُنْقِذُونِ من ذلك الضر الذي أرادني الرحمن به وهذه الجملة صفة لآلهة أو مستأنفة لبيان حالها في عدم النفع والدفع . إِنِّي إِذاً أي إني إذا اتخذت من دونه آلهة وعبدت غير اللّه لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ظاهر واضح لأن إيثار ما لا ينفع ولا يدفع ضرا بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال بيّن لا يخفى على عاقل ، وهذا تعريض بهم كما سبق ، والضلال الخسران . ثم صرح بإيمانه تصريحا لا يبقى بعده شك فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 25 إلى 29 ] إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ( 25 ) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ( 27 ) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ( 28 ) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ( 29 ) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ بكسر النون ، وهي نون الوقاية ، وهي اللغة العالية وقرىء بفتحها ، وهي غلط . قال المفسرون : أراد القوم قتله فأقبل هو على المرسلين فقال : إني آمنت بربكم أيها الرسل فاسمعوا إيماني ، واشهدوا لي به . وقيل : إنه خاطب بهذا الكلام قومه لما أرادوا قتله تصلبا في الدين ، وتشددا في الحق وعدم المبالاة بالقتل ، فلما قال هذا القول وصرح بالإيمان وثبوا عليه فقتلوه ، وقيل وطؤوه بأرجلهم . وقال الحسن : حرقوه حرقا وعلقوه في سور المدينة ، وقبره في سور أنطاكية حكاه الثعلبي . وقيل : حفروا له حفيرة وألقوه فيها ، وقيل : إنهم لم يقتلوه بل رفعه اللّه