صديق الحسيني القنوجي البخاري

50

فتح البيان في مقاصد القرآن

خلفة النبات ، وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف . قال الفراء : يقول : يذهب هذا ، ويجيء هذا ، وقال مجاهد وابن عباس : خلفة من الخلاف ، هذا أبيض وهذا أسود والأول أقوى . وقيل : يتعاقبان في الضياء والظلام ، والزيادة والنقصان . وقيل : هو من باب حذف المضاف أي : جعل الليل والنهار ذوي خلفة أي : اختلاف . قال ابن عباس وعمر والحسن : يقول من فاته شيء من الخير بالليل أن يعمله أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه الليل . وعن الحسن أن عمر أطال صلاة الضحى ، فقيل له : صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه ؟ فقال : إنه بقي عليّ من وردي شيء فأحببت أن أتمه أو قال أقضيه ، وتلا هذه الآية : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ مشددا من التذكر للّه وقرىء مخففا من الذكر له . والمعنى أن المتذكر المعتبر إذا نظر في اختلاف الليل والنهار علم أنه لا بد في انقالهما من حال إلى حال من ناقل . وقيل : المعنى يتذكر ، فيعلم أن اللّه لم يجعلهما كذلك عبثا فيعتبر في مصنوعات اللّه ويشكره سبحانه على نعمه عليه في العقل ، والفكر والفهم . قال الفراء : يذكر ويتذكر يأتيان بمعنى واحد قال اللّه تعالى : وَاذْكُرُوا ما فِيهِ [ البقرة : 63 ] وفي حرف عبد اللّه : ويذكروا ما فيه أَوْ أَرادَ شُكُوراً أي : أراد أن يشكر اللّه على ما أودعه في الليل والنهار ، من النعم العظيمة والألطاف الكثيرة و أَوْ للتقسيم والتنويع وهي مانعة خلو فتجوز الجمع . وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً هذا كلام مستأنف مسوق لبيان أوصاف صالحي عباد اللّه سبحانه وأحوالهم الدنيوية والأخروية بعد بيان حال المنافقين قيل : هذه الإضافة للتخصيص والتشريف والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد اللّه . وهونا مصدر وهو السكينة والتواضع والوقار . وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن الهون متعلق ب يَمْشُونَ أي مشيا هونا ، قال ابن عطية : ويشبه أن يتأول هدأ على أن يكون أخلاق ذلك الماشي هونا مناسبة لمشيه . وأما أن يكون المراد صفة المشيء وحده فباطل لأنه رب ماش هونا رويدا وهو ذئب أطلس . وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتكفّأ في مشيه كأنما يمشي في صبب « 1 » ، قال ابن عباس في الآية : هم المؤمنون الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً . أي بالطاعة والعفاف والتواضع ، وقال أيضا : هونا ، أي : علما وحلما ، والمعنى : يمشون بالسكينة والوقار ، متواضعين غير أشرين ، ولا مرحين ولا متكبرين ؛ بل علماء حكماء ،

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الفضائل حديث 82 ، والترمذي في اللباس باب 20 ، والمناقب باب 8 ، والدارمي في المقدمة باب 10 ، وأحمد في المسند 1 / 89 ، 96 ، 101 ، 116 ، 117 ، 127 ، 134 ، 3 / 228 ، 270 .