صديق الحسيني القنوجي البخاري

494

فتح البيان في مقاصد القرآن

القول أي : الحكم والقضاء الأزلي أو العذاب عَلى أَكْثَرِهِمْ أي أكثر أهل مكة أو أكثر الكفار على الإطلاق أو أكثر كفار العرب ، وهم من مات على الكفر وأصر عليه طول حياته ، فيتفرع قوله : فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ على ما قبله بهذا الاعتبار ، أي لأن اللّه سبحانه قد علم منهم الإصرار على ما هم فيه من الكفر والموت عليه ، وقيل : المراد بالقول المذكور هنا قوله سبحانه : فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ [ ص : 84 ، 85 ] ، وقيل نزلت هذه الآية في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين وجملة إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا تقرير لما قبلها مثلت حالهم بحال الذين غلت أعناقهم . فَهِيَ أي الأغلال منتهية إِلَى الْأَذْقانِ جمع ذقن . وهو أسفل اللحيين لأن الغل يجمع اليد إلى العنق فلا يقدرون عند ذلك على الالتفات ، ولا يتمكنون من عطفها لأن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن ، حلقة فيها رأس العمود ، خارجا من الحلقة إلى الذقن ، فلا يخليه يطأطىء رأسه فلا يزال مقمحا وهو معنى قوله : فَهُمْ مُقْمَحُونَ أي رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم ، قال الفراء والزجاج : المقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه ومعنى الإقماح : رفع الرأس وغض البصر ، يقال : أقمح البعير رأسه وقمح : إذا رفع رأسه ولم يشرب الماء . قال الأزهري : أراد اللّه أن أيديهم لما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال إلى أذقانهم ورؤوسهم صعداء فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها ، وقال قتادة : معنى مقمحون مغلولون والأول أولى . وقال أبو عبيدة : قمح البعير إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب ، وعنه أيضا : هو مثل ضربه اللّه لهم في امتناعهم عن الهدى كامتناع المغلول ، كما يقال : فلان حمار أي لا يبصر الهدى ، قال الفراء : هذا ضرب مثل أي حبسناهم عن الإنفاق في سبيل اللّه ، وهو كقوله : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [ الإسراء : 29 ] وبه قال الضحاك . وقيل : الآية إشارة إلى ما يفعل بقوم في النار من وضع الأغلال في أعناقهم كما قال تعال : إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ [ غافر : 71 ] وقرأ ابن عباس : « إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا » قال الزجاج أي في أيديهم ، قال النحاس : وهذه القراءة تفسير ، ولا يقرأ بما خالف المصحف ، قال : وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة أي : إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان . فلفظ فَهِيَ كناية عن الأيدي لا عن الأعناق والعرب تحذف مثل هذا ونظير سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] أي وسرابيل تقيكم البرد لأن ما وقى من الحر