صديق الحسيني القنوجي البخاري
481
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقال ابن عطاء : إنما قدم الظالم لئلا ييأس من فضله ، وقيل : إنما قدمه ليعرفه أن ذنبه لا يبعده من ربه ، وقيل : إن أول الأحوال معصية ثم توبة ثم استقامة ، وقال جعفر الصادق : بدأ بالظالمين إخبار بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه ، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء ، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء ، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة ، وقد قيل في وجه التقديم غير ما ذكرناه مما لا حاجة إلى التطويل به . وعن ابن عباس في الآية قال : هم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ورثهم اللّه كل كتاب أنزل ، فظالمهم مغفور له ، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا ، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب . وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وغيرهما عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال في هذه الآية : « هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم يدخلون الجنة » « 1 » ، وفي إسناده رجلان مجهولان . وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وغيرهم عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : قال اللّه : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ [ فاطر : 32 ] الآية فأما الذين سبقوا وأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابا يسيرا ، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر ، ثم هم الذين تلافاهم اللّه برحمته ، فهم الذين يقولون : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ « 2 » [ فاطر : 34 ] الآية . قال البيهقي : إذا كثرت روايات في حديث ظهر أن للحديث أصلا انتهى . وفي إسناد أحمد : محمد بن إسحاق وفي إسناد ابن أبي حاتم رجل مجهول . وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن عوف بن مالك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أمتي ثلاثة أثلاث فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ، ثم يدخلون الجنة ، وثلث يمحصون ويكشفون ، ثم تأتي الملائكة فيقولون : وجدناهم يقولون : لا إله إلا اللّه وحده فيقول اللّه : أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا اللّه وحده ، واحملوا خطاياهم على أهل التكذيب وهي التي قال اللّه : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [ العنكبوت : 13 ] وتصديقها في التي ذكر في الملائكة قال اللّه تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فجعلهم ثلاثة أفواج فمنهم ظالم لنفسه فهذا الذي يكشف ويمحص ومنهم مقتصد وهو الذي يحاسب حسابا يسيرا ومنهم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 35 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 198 .