صديق الحسيني القنوجي البخاري

479

فتح البيان في مقاصد القرآن

إلى المقتصد والسابق ، وقيل : المراد بالظالم لنفسه هو المقصر في العمل به ، وهو المرجى لأمر اللّه ، وليس من ضرورة وراثة الكتاب مراعاته حق رعايته لقوله : فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب وهذا فيه نظر ، لأن ظلم النفس لا يناسب الاصطفاء . وقيل الظالم لنفسه هو الذي عمل الصغائر ، وقد روي هذا القول عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي الدرداء وعائشة ، وهذا هو الراجح لأن عمل الصغائر لا ينافي الاصطفاء ، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة ووجه كونه ظالما لنفسه أنه نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر طاعات لكان لنفسه فيها من الثواب حظ عظيم وقيل الظالم هو صاحب الكبائر ، قلت : ومنشأ الإشكال هو من جعل الوارثين هم العلماء من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، إذ لو جعلت الوراثة لجميع الأمة زال الإشكال للقطع بأن منهم ظالما لنفسه ، ولا ينافي الاصطفاء لكونهم فضلوا الأمم الآخرة ، وقد ورد في ذلك شيء كثير كما لا يخفى ويؤيده ما سيأتي آخر البحث واللّه أعلم . وقد اختلف السلف في تفسير السابق والمقتصد فقال عكرمة وقتادة والضحاك : إن المقتصد المؤمن العاصي ، والسابق التقي على الإطلاق وبه قال الفراء . وقال مجاهد في تفسير الآية : فمنهم ظالم لنفسه أصحاب المشأمة ومنهم مقتصد أصحاب الميمنة ومنهم سابق بالخيرات السابقون من الناس كلهم ، وقال المبرد : إن المقتصد هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها . وقال الحسن الظالم الذي ترجح سيئآته على حسناته ، والمقتصد الذي استوت حسناته وسيئآته والسابق من رجحت حسناته على سيئآته ، وقال مقاتل : الظالم لنفسه أصحاب الكبائر من أهل التوحيد ، والمقتصد الذي لم يصب كبيرة والسابق الذي سبق إلى الأعمال الصالحة . وحكى النحاس : أن الظالم صاحب الكبائر ، والمقتصد لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئآته فيكون قوله الآتي : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [ الرعد : 23 ] للذين سبقوا بالخيرات لا غير . قال : وهذا قول جماعة من أهل النظر لأن الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى . وقال الضحاك : فمنهم ظالم لنفسه أي من ذريتهم ظالم لنفسه وقال سهل بن عبد اللّه : السابق العالم والمقتصد المتعلم ، والظالم لنفسه الجاهل . وقال ذو النون المصري : الظالم لنفسه الذاكر للّه بلسانه فقط ، والمقتصد الذاكر بقلبه والسابق الذي لا ينساه . وقال الأنطاكي : الظالم صاحب الأقوال والمقتصد صاحب الأفعال والسابق صاحب الأحوال . وقال ابن عطاء : الظالم الذي يحب اللّه من أجل الدنيا والمقتصد الذي يحب اللّه من أجل العقبى والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحق . وقيل : الظالم الذي يعبد اللّه خوفا من النار والمقتصد الذي يعبده طمعا في