صديق الحسيني القنوجي البخاري
476
فتح البيان في مقاصد القرآن
الجوهري : تقول هذا أسود غربيب ، أي شديد السواد ، وإذا قلت : غرابيب سود جعلت السود بدلا من غرابيب ، قال الفراء : في الكلام تقديم وتأخير ، تقديره : وسود غرابيب لأنه يقال أسود غربيب ، وقلما يقال : غربيب أسود ، وقيل الغربيب تأكيد للأسود كالقاني للأحمر ، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد وإنما قدم للمبالغة والمعنى من الجبال جدد بيض وحمر ومن الجبال غرابيب على لون واحد وهو السواد ، أو من الجبال جدد بيض وحمر وسود وقيل التقدير : ومن الجبال ذو جدد لأن الجدد إنما هي في ألوان بعضها . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وقرىء بتخفيف الباء وَالْأَنْعامِ أي ومنهم صنف أو نوع أو بعض . مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ بالحمرة والسواد والبياض والخضرة والصفرة قال الفراء أي : خلق مختلف ألوانه كاختلاف الثمرات والجبال ، وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان في هذه الأشياء لأن هذه الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة اللّه وبديع صنعه . كَذلِكَ أي مختلفا مثل ذلك الاختلاف ، والتقدير مختلف ألوانه اختلافا كائنا كذلك أي كاختلاف الجبال والثمار ، وقال ابن عطية : متعلق بما بعده أي مثل ذلك النظر والاعتبار في مخلوقات اللّه ، واختلاف ألوانها إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وهو مردود بأن ما بعد إنما لا يعمل فيما قبلها ، والراجح الوجه الأول والوقف على كذلك تام ، ثم استأنف الكلام وأخبر سبحانه بقوله : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وهو من تتمة قوله : إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [ فاطر : 18 ] على معنى إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به ، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة ، وعلى كل تقدير فهو سبحانه قد عين في هذه الآية أهل خشيته ، وهم العلماء به ، وبعظيم قدرته قال مجاهد : إنما العالم من خشي اللّه عز وجل ، ومثله عن الشعبي . وقال مسروق : كفى بخشية اللّه علما وكفى بالاغترار جهلا ، وعن ابن مسعود نحوه فمن كان أعلم باللّه كان أخشاهم له . قال الربيع بن أنس : من لم يخش اللّه فليس بعالم ، ووجه تقديم المفعول أن المقام مقام حصر الفاعلية ولو أخر لانعكس الأمر ، وقرىء : برفع الاسم الشريف ونصب العلماء ورويت هذه القراءة عن أبي حنيفة . قال في الكشاف : الخشية في هذه القراءة استعارة ، والمعنى أنه يجلهم ويعظهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس . قال ابن عباس : العلماء باللّه الذين يخافونه ، وعنه قال : الذين يعلمون أن اللّه على كل شيء قدير ، وعن ابن مسعود قال : ليس العلم من كثرة الحديث ، لكن العلم من