صديق الحسيني القنوجي البخاري

47

فتح البيان في مقاصد القرآن

وما زالوا هكذا في عصر بعد عصر ، والحق هو ما عرفناك من مذهب السلف الصالح ، فالاستواء على العرش ، والكون في تلك الجهة ، قد صرح به القرآن الكريم في مواطن يكثر حصرها ، ويطول نشرها ، وكذلك صرح به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في غير حديث ، بل هذا مما يجده كل فرد من أفراد المسلمين في نفسه ، ويحسه في فطرته ، وتجذبه إليه طبيعته كما تراه في كل من استغاث باللّه سبحانه . والتجأ إليه . ووجه أدعيته إلى جنابه الرفيع وعزه المنيع ، فإنه يشير عند ذلك بكفه أو يرمي إلى السماء بطرفه ، ويستوي في ذلك عند عروض أسباب الدعاء وحدوث بواعث الاستغاثة ووجود مقتضيات الانزعاج ، وظهور دواعي الالتجاء عالم الناس وجاهلهم والماشي على طريقة السلف والمقتدي بأهل التأويل القائلين بأن الاستواء هو الاستيلاء ، كما قاله جمهور المتأولين أو الإقبال كما قاله أحمد بن يحيى ثعلب ، والزجاج ، والفراء وغيرهم ، أو كناية عن الملك والسلطان كما قاله آخرون . فالسلامة والنجاة في إمرار ذلك على الظاهر ، والإذعان بالاستواء والكون على ما نطق به الكتاب والسنة من دون تكييف ولا تكلف ، ولا قيل ولا قال ، ولا فضول في شيء من المقال . فمن جاوز هذا المقدار بإفراط أو تفريط فهو غير مقتد بالسلف ، ولا واقف في طريق النجاة ، ولا معتصم عن الخطأ . ولا سالك في طريق السلامة والاستقامة . وكما تقول هكذا في الاستواء والكون في تلك الجهة ، فكذا تقول في مثل قوله سبحانه : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] وقوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ [ المجادلة : 7 ] وفي نحو إن اللّه مع الصابرين إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ إلى ما يشابه ذلك ، ويماثله ويقاربه ويضارعه ، فيقول في مثل هذه الآيات هكذا جاء القرآن أن اللّه سبحانه مع هؤلاء ولا نتكلف بتأويل ذلك كما يتكلف غيرنا بأن المراد بهذا الكون وهذه المعية ، هو كون العلم ومعيته فإن هذه شعبة من شعب التأويل ، تخالف مذاهب السلف وتباين ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم . وإذا انتهيت إلى السلا * مة في مداك فلا تجاوز وهذا الحق ليس به خفاء * فدعني من بينات الطريق وقد هلك المتنطعون . ولا يهلك على اللّه إلا هالك * وعلى نفسها براقش تجني وفي هذه الجملة وإن كانت قليلة ما يغني من يشح بدينه ، ويحرص عليه من تطويل المقال ، وتكثير ذيوله ، وتوسيع دائرة فروعه وأصوله والمهدي من هداه اللّه واللّه أعلم انتهى .