صديق الحسيني القنوجي البخاري
461
فتح البيان في مقاصد القرآن
ويجوز أن يكون مصدرا واستبعده الزجاج لأن غررته متعد ومصدر المتعدي إنما هو على فعل نحو ضربته ضربا ، إلا في أشياء يسيرة معروفة لا يقاس عليها ، ومعنى الآية : لا يغرنكم الشيطان باللّه فيقول لكم إن اللّه يتجاوز عنكم ويغفر لكم بفضله عليكم ، أو لسعة رحمته لكم ، وقرىء بضم الغين وهو الباطل ، قال ابن السكيت : والغرور بالضم ما يغر من متاع الدنيا وقال الزجاج : يجوز أن يكون الغرور بالضم جمع غار مثل قاعد وقعود ، قيل : ويجوز أن يكون مصدر غره كاللزوم والنهوك ، وفيه ما تقدم عن الزجاج من الاستبعاد ، ثم حذر سبحانه عباده من الشيطان فقال : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ظاهر العداوة فعل بأبيكم ما فعل ، وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بأحواله والتنكير للتعظيم أي عدو عظيم لأن عداوته عامة قديمة ، والعموم يفهم من قوله : لكم من حيث لم يخص ببعض دون بعض ، والقدم من الجملة الاسمية الدالة على الاستمرار . فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا أي فعادوه بطاعة اللّه ولا تطيعوه في معاصي اللّه ، وكونوا على حذر منه في جميع أحوالكم وأفعالكم وعقائدكم عن صميم قلوبكم وإذا فعلتم فعلا فتفطنوا له فإنه ربما يدخل عليكم فيه الرياء ويزين لكم القبائح قال القشيري : ولا يتعزى على عداوته إلا بدوام الاستعانة بالرب ، فإنه لا يغفل عن عداوتكم فلا تغفلوا أنتم عن مولاكم لحظة . ذكره الخطيب ، ثم بين اللّه سبحانه لعباده كيفية عداوة الشيطان لهم وحذرهم عن طاعته فقال : إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ إي إنما يدعو أشياعه وأتباعه والمطيعين له إلى معاصي اللّه سبحانه لأجل أن يكونوا من أهل النار واللام للتعليل ومحل الموصول في قوله : الَّذِينَ كَفَرُوا الرفع على الابتداء وقوله : لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ خبره أو الرفع على البدل من فاعل يكونوا أو النصب على البدل من حزبه أو الجر على البدل من أصحاب ، والرفع على الابتداء أقوى الوجوه لأنه سبحانه بعد ذكر عداوة الشيطان ودعائه لحزبه ذكر حال الفريقين من المطيعين له والعاصين عليه ، فالفريق الأول قال : لهم عذاب شديد ، والفريق الثاني قال فيه : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أي يغفر اللّه لهم بسبب الإيمان والعمل الصالح ويعطيهم أجرا كبيرا وهو الجنة ، قال ابن جريج : كل شيء في القرآن لهم مغفرة وأجر كبير ورزق كريم فهو الجنة . أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً هذه الجملة مستأنفة لتقرير ما سبق من ذكر التفاوت بين عاقبتي الفريقين ومن في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف . قال الكسائي : والتقدير ذهبت نفسك عليهم حسرات . قال : ويدل عليه قوله فلا تذهب