صديق الحسيني القنوجي البخاري

458

فتح البيان في مقاصد القرآن

تعظيما له وتعليما لعباده كيفية الثناء عليه تعالى ، قرىء فاطر على صيغة اسم الفاعل ، وفطر على صيغة الفعل الماضي . جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا إلى عبادة يجوز فيه الوجهان كما تقدم والرسل من الملائكة هم : جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل فالمراد بالملائكة بعضهم إذ ليس كلهم رسلا كما هو معلوم ، صرح الطيبي بأن جاعل هنا للاستمرار فباعتبار أنه يدل على المضي يصلح كونه صفة للمعرفة ، وباعتبار أنه يدل على الحال والاستقبال يصلح للعمل . وقرىء : رسلا بسكون السين ، هي لغة تميم ، قال يحيى بن سلام : يرسلهم اللّه إلى الأنبياء يبلغون إليهم رسالاتهم بالوحي والإلهام والرؤيا الصادقة ، وقال السدي : إلى العباد بنعمة أو نقمة أو يوصلون إليهم آثار صنعته . أُولِي أي ذوي اسم جمع لذو أَجْنِحَةٍ جمع جناح نعت لرسلا وهو جيد لفظا لتوافقهما تنكيرا ، أو للملائكة وهو جيد معنى إذ كل الملائكة لها أجنحة ، فهي صفة كاشفة ، والمسوغ للتخلف في التعريف جعل أل جنسية . مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ صفات لأجنحة والقصد بها التكثير واختلافهم في عدد الأجنحة لا الحصر ، وإلا فبعضهم له ستمائة وغير ذلك ، وإنما لم تنصرف لتكرر العدل فيها ، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ إلى صيغ أخر كما عدل عمر عن عامر وعن تكرير إلى غير تكرير ، وقيل للعدل والوصف والتعويل عليه ، وقد تقدم الكلام عليها في النساء . قال قتادة : بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثة ، ولعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة وبعضهم له أربعة ينزلون بها من السماء إلى الأرض ، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء . أقول : الأصل جناحان لأنهما بمنزلة اليدين ، ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل ، وذلك أقوى للطيران وأعون عليه . يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ مستأنفة مقررة لما قبلها من تفاوت أحوال الملائكة والمعنى أنه يزيد في خلق الملائكة والأجنحة ما يشاء ، وهو قول أكثر المفسرين ، واختاره الفراء والزجاج قال ابن مسعود : رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم جبريل في صورته له ستمائة جناح ، وقيل إن هذه الزيادة في الخلق غير خاصة بالملائكة ، فقال الزهري وابن جريج : إنها حسن الصوت ، وقال قتادة : الملاحة في العينين ، والحسن في الأنف والحلاوة في الفم ، وقيل الوجه الحسن وقيل الخط الحسن ، وقيل الشعر الجعد ، وقيل العقل والتمييز ، وقيل العلوم والصنائع ، وقيل الصوت الحسن وجودة العقل ومتانته . ولا وجه لقصر ذلك على نوع خاص ، بل يتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة ، واعتدال صورة ، وتمام في الأعضاء ، وقوة في البطش ، وحصافة في العقل ، وجزالة في الرأي ، وجراءة في القلب ، وسماحة في النفس ، ولباقة في التكلم وحسن