صديق الحسيني القنوجي البخاري
455
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [ غافر : 84 ] ، أو عند البعث فإن الكفار كلهم يؤمنون حينئذ آمَنَّا بِهِ أي بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم قاله قتادة أو بالقرآن ، وقال مجاهد : باللّه عز وجل ، وقال الحسن : بالبعث ثم نفى اللّه عنهم نفع الإيمان بقوله : وَأَنَّى أي من أين لَهُمُ التَّناوُشُ أي التناول ، وهو تقابل من النوش الذي هو التناول ، والمعنى : كيف لهم أن يتناولوا الإيمان من بعد يعني في الآخرة ، وقد تركوه في الدنيا وهو معنى قوله : مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وهو تمثيل لحالهم في طلب الخلاص بعد ما فات عنهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة تناوله من ذراع في الاستحالة ، قال ابن السكيت : يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه أو بلحيته ناشه ينوشه نوشا ، ومنه المناوشة في القتال ، وذلك إذا تدانى الفريقان . وقيل التناوش : الرجعة أي وأنى لهم الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا ، وقال ابن عباس : قال يسألون الرد إلى الدنيا وليس بحين رد ، وقال التناوش : تناول الشيء وليس بحين ذلك وقال السدي : هو التوبة أي طلبوها ، وقد بعدت لأنها إنما تقبل في الدنيا وقرى : التناوش بالواو وبالهمز واستبعد الثانية أبو عبيد والنحاس ولا وجه للاستبعاد فقد ثبت ذلك في لغة العرب وأشعارها ، قال الفراء : الهمزة وتركها متقارب . وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي والحال أن قد كفروا بما آمنوا به من قبل هذا الوقت وذلك حال كونهم في الدنيا . قيل : بالقرآن ، وقيل : بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم من قبل أن يعاينوا العذاب وأهوال القيامة . وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ أي يؤمنون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر لهم في الرسول من المطاعن أو في العذاب من البت على نفيه ، فيقولون : لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أي من جهة بعيدة ليس فيها مستند لظنهم الباطل ، وهو الشبه التي تمحلوها في أمر الآخرة كما حكاه من قبل . وقيل : المعنى يقولون في القرآن أقوالا باطلة : إنه سحر وشعر وأساطير الأولين ، وقيل : يقولون في محمد صلّى اللّه عليه وسلم : إنه ساحر شاعر كاهن مجنون ، قرىء : يقذفون مبنيا للمفعول أي يرجمون بما يسوؤهم من جزاء أعمالهم من حيث لا يحتسبون ، وفيه تمثيل لحالهم بحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للوهم في لحوقه وهذا استعارة تمثيلية والجملة إما معطوفة على وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ على أنها حكاية للحال الماضية ، واستحضار لصورتها ، أو مستأنفة لبيان تمثيل حالهم . وَحِيلَ بَيْنَهُمْ فعل مبني للمفعول وإذا بني للفاعل يقال فيه : حال وهو فعل لا يتعدى ونائب الفاعل ضمير المصدر المفهوم من الفعل كأنه قيل : وحيل هو أي الحول ،