صديق الحسيني القنوجي البخاري
441
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال المبرد : أَوْ عند البصريين على بابها وليست للشك لكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين وهو عالم بالمعنى وقال أبو عبيدة والفراء : هي بمعنى الواو ، وتقديره وإنا على هدى وإياكم لفي ضلال مبين . قيل : أو إياكم معطوف على اسم إن وخبرها هو المذكور وحذف خبر الثاني للدلالة عليه أي إنا لعلى هدى أو في ضلال مبين ، أو أنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ، ويجوز العكس ، وهو كون المذكور خبر الثاني ، وخبر الأول محذوفا كما في قوله : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] ، ثم أردف سبحانه هذا الكلام المنصف بكلام أبلغ منه في الإنصاف وأدخل فيه وأبعد من الجدل والمشاغبة فقال : قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ أي : إنما أدعوكم إلى ما فيه خير لكم ونفع ، ولا ينالني من كفركم وترككم لإجابتي ضرر ، وهذا كقوله سبحانه : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ الكافرون : 6 ] ، وفي إسناد الجرم إلى المسلمين ونسبة مطلق العمل إلى المخاطبين مع كون أعمال المسلمين من البر الخالص والطاعة المحضة وأعمال الكفار من المعصية البينة والإثم الواضح ، من الإنصاف ما لا يقادر قدره ، والمقصود المهادنة والمتاركة ، وقد قيل : نسخت هذه الآية وأمثالها بآية السيف ، ثم أمره سبحانه بأن يهددهم بعذاب الآخرة لكن على وجه لا تصريح فيه فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 26 إلى 28 ] قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ( 26 ) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 27 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 28 ) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا أي يوم القيامة ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ أي يحكم ويقضي بيننا فيثيب المطيع ويعاقب العاصي وَهُوَ الْفَتَّاحُ أي الحاكم بالحق القاضي بالصواب الْعَلِيمُ بما يتعلق بحكمه وقضائه من المصالح . قيل وهذه أيضا منسوخة بآية السيف ، ثم أمره اللّه سبحانه أن يورد عليهم حجة أخرى ليظهر بها ما هم عليه من الخطأ فقال : قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ أي ألحقتموهم باللّه شركاء له ، وهذه الرؤية هي القلبية فيكون شركاء هو المفعول الثالث ، ويجوز أن تكون هي البصرية ويكون شركاء منتصبا على الحال ، وأريد بأمرهم بإراءته الأصنام مع كونها بمرأى منه صلّى اللّه عليه وسلم إظهار خطأهم وإطلاعهم على بطلان رأيهم ، أي أرونيها لأنظر أي صفة فيها اقتضت إلحاقها باللّه تعالى في استحقاق العبادة ، وفيه مزيد تبكيت لهم بعد إلزامهم الحجة ، ثم رد عليهم ما يدعونه من الشركاء وأبطل ذلك فقال : كَلَّا بَلْ أي ارتدعوا عن دعوى المشاركة بل المنفرد بالإلهية هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ بالقهر والغلبة الْحَكِيمُ بالحكمة الباهرة .