صديق الحسيني القنوجي البخاري
439
فتح البيان في مقاصد القرآن
اللّه كما قال تعالى : وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [ الأنبياء : 28 ] ، فإذا أذن لهم في الشفاعة فزعوا لما يقترن بتلك الحالة من الأمر الهائل والخوف الشديد من أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصيرا ويحدث شيء من أقدار اللّه فإذا سرى عنهم . قالُوا للملائكة فوقهم وهم الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن ما ذا قالَ رَبُّكُمْ أي ماذا أمر اللّه به قالُوا أي ليقولون لهم قال القول الْحَقَّ وهو قبول شفاعتكم للمستحقين لها دون غيرهم وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ فله أن يحكم في عباده بما يشاء ، ويفعل ما يريد ، ليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه ، وأن يشفع إلا لمن ارتضى ، وقيل : هذا الفزع يكون للملائكة في كل أمر يأمر به الرب والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم فزعون اليوم مطيعون للّه دون الجمادات والشياطين ، وقيل إن الذين يقولون ماذا قال ربكم هم المشفوع لهم والذين أجابوهم هم الشفعاء من الملائكة والأنبياء وقال الحسن وابن زيد ومجاهد معنى الآية حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين في الآخرة قالت لهم الملائكة : ماذا قال ربكم في الدنيا ؟ قالوا الحق فأقروا حين لا ينفعهم الإقراء ؛ وقيل إنما يفزعون حذرا من قيام الساعة ، وقيل : كشف الفزع عن قلوبهم عند نزول الموت ، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أوحى الجبار إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال اللّه ، فقالوا الحق ، وقد علموا أن اللّه لا يقول إلا حقا . قال ابن عباس : وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا ، فلما سمعوا خروا سجدا ، فلما رفعوا رؤوسهم قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم أيضا عنه قال : ينزل الأمر إلى السماء الدنيا له وقعه كوقعة السلسلة على الصخرة فيفزع له جميع أهل السماوات ، فيقولون : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ؟ ثم يرجعون إلى أنفسهم ، فيقولون : الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ . وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا قضى اللّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ؟ قالوا للذي قال : الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ » « 1 » ، الحديث ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 32 ، وتفسير سورة 15 ، باب 1 ، وسورة 34 ، باب 1 ، والترمذي في تفسير سورة 34 ، باب 1 ، وابن ماجة في المقدمة ، باب 13 .