صديق الحسيني القنوجي البخاري
423
فتح البيان في مقاصد القرآن
أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ أي أهو كاذب فيما قاله ، أم به جنون بحيث لا يعقل ما يقوله ، قال قتادة : إما أن يكون يكذب على اللّه وإما أن يكون مجنونا والهمزة في أفترى همزة الاستفهام وحذفت لأجلها همزة الوصل كما تقدم في قوله : أَطَّلَعَ الْغَيْبَ [ مريم : 78 ] ثم رد عليهم سبحانه ما قالوه في رسوله فقال : بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي ليس الأمر كما زعموا بل هم الذين ضلوا عن الفهم وإدراك الحقائق فكفروا بالآخرة ، ولم يؤمنوا بما جاءهم به فصاروا بسبب ذلك فِي الْعَذابِ الدائم في الآخرة وهم اليوم . وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ عن الحق غاية البعد ، ثم وبخهم سبحانه بما اجترأوا عليه من التكذيب مبينا لهم أن ذلك لم يصدر منهم إلا لعدم التفكر والتدبر في خلق السماء والأرض ، وأن من قدر على هذا الخلق العظيم لا يعجزه أن يبعث من مخلوقاته ما هو دون ذلك ويعيده إلى ما كان عليه من الذات والصفات فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 9 إلى 11 ] أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 9 ) وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والمعنى أعموا فلم يروا ومن المعلوم أن ما بين يدي الإنسان هو كل ما يقع نظره عليه من غير أن يحول وجهه إليه وخلفه هو كل ما لا يقع نظره عليه حتى يحول نظره إليه فيعم الجهات كلها أي إنهم إذا نظروا رأوا السماء قدامهم وخلفهم ، وكذلك إذا نظروا إلى الأرض رأوها خلفهم وقدامهم ، فالسماء والأرض محيطتان بهم فهو القادر على أن ينزل بهم ما شاء من العذاب بسبب كفرهم وتكذيبهم لرسوله . وإنكارهم للبعث . فهذه الآية اشتملت على أمرين : أحدهما : أن هذا الخلق الذي خلقه اللّه من السماء والأرض يدل على كمال القدرة على ما هو دونه من البعث كما في قوله : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [ يس : 81 ] . والأمر الآخر : التهديد لهم بأن من خلق السماوات والأرض على هذه الهيئة التي أحاطت بجميع المخلوقات فيهما قادر على تعجيل العذاب لهم كما قال : إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ كما خسفنا بمن كان قبلهم كقارون أَوْ نُسْقِطْ