صديق الحسيني القنوجي البخاري
401
فتح البيان في مقاصد القرآن
تقدم في سورة النور ما فيه كفاية ، ثم أمر سبحانه بالتقوى التي هي ملاك الأمر ونقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب ، وفي هذا النقل فضل تشديد كأنه قيل : وَاتَّقِينَ اللَّهَ في كل الأمور التي من جملتها ما هو مذكور هنا من الاحتجاب أي أن يراكن أحد غير هؤلاء . قال ابن عباس : في الآية أنزلت هذه في نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلم خاصة . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعمال العباد شَهِيداً لم يغب عنه شيء من الأشياء كائنا ما كان فهو مجاز للمحسن بإحسانه وللمسيء بإساءته ، والشهيد الذي يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات الجوارح . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 56 إلى 58 ] إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 56 ) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ( 57 ) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ( 58 ) إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ هذه الآية شرف اللّه بها رسوله صلّى اللّه عليه وسلم في حياته وموته ، وأظهر بها منزلته عنده تعالى ، والضمير في : يصلون راجع إلى اللّه وإلى الملائكة ، وفيه تشريف للملائكة عظيم حيث جعل الضمير لهم وللّه سبحانه واحدا ، فلا يرد الاعتراض بما ثبت عنه صلّى اللّه عليه وسلم لما سمع الخطيب يقول : من يطع اللّه ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى ، فقال : بئس خطيب القوم أنت ، قل : ومن يعص اللّه ورسوله ، ووجه ذلك أنه ليس لأحد أن يجمع ذكر اللّه سبحانه مع غيره في ضمير واحد وهذا الحديث ثابت في الصحيح ، وثبت أيضا في الصحيح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أم مناديا ينادي يوم خيبر : إن اللّه ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية ولأهل العلم أبحاث في الجمع بين الحديثين ليس هذا موضع ذكرها ، والآية مؤيدة للجواز لجعل الضمير فيها للّه والملائكة واحدا ، والتعليل بالتشريف للملائكة يقال مثله في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ويحمل الذم لذلك الخطيب الجامع بينهم على أنه صلّى اللّه عليه وسلم فهم منه إرادة التسوية بين اللّه سبحانه وبين رسوله ، فيختص المنع بمثل ذلك ، وهذا أحسن ما قيل في الجمع . وقالت طائفة في هذه الآية حذف ، والتقدير : إن اللّه يصلي وملائكته يصلون ، وعلى هذا القول فلا تكون الآية مما جمع فيه بين ذكر اللّه وذكر غيره في ضمير واحد ، ولا يرد أيضا ما قيل إن الصلاة من اللّه الرحمة ، ومن ملائكته الدعاء ، فكيف يجمع بين هذين المعنيين المختلفين في لفظ يصلون ، ويقال على القول الأول : إنه أريد بيصلون معنى مجازى يعم المعنيين ، وذلك بأن يراد بقوله يصلون : يهتمون بإظهار شرفه ، أو يعظمون شأنه ، أو يعتنون بأمره وحكى البخاري عن أبي العالية : أن صلاة اللّه سبحانه ثناؤه عليه عند ملائكته وصلاة الملائكة الدعاء ، وروى الترمذي في سننه عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم أنهم قالوا : صلاة الرب الرحمة ، وصلاة الملائكة الاستغفار .