صديق الحسيني القنوجي البخاري

396

فتح البيان في مقاصد القرآن

الآية وأخرج ابن سعد عن أنس قال نزل الحجاب مبتنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بزينب بنت جحش ، وذلك سنة خمس من الهجرة ، وحجب نساءه من يومئذ ، وأنا ابن خمس عشرة سنة ، وكذا أخرج ابن سعد عن صالح بن كيسان ، وقال : نزل الحجاب على نسائه في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة . وبه قال قتادة والواقدي ، وزعم أبو عبيدة وخليفة بن خياط أن ذلك كان في سنة ثلاث . وفي الآية دليل على أن البيت للرجل ويحكم له به فإن اللّه أضافه إليه إضافة ملك ، وأما إضافته إلى الأزواج في قوله : ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ فهي إضافة محل بدليل أنه جعل فيها الإذن إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، والإذن إنما يكون من المالك ، واختلف العلماء في بيوت النبي صلّى اللّه عليه وسلم التي كان يسكن فيها نساؤه بعد موته هل هي ملك لهن أو لا ؟ على قولين ، فقالت طائفة : كانت ملكا لهن بدليل أنهن سكن فيها بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى وفاتهن ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهب لهن ذلك في حياته ، الثاني : أن ذلك كان إسكانا كما يسكن الرجل أهله ، ولم يكن هبة وامتدت سكناهن بها إلى الموت ، وهذا هو الصحيح ، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر وابن العربي ، وغيرهما . فإن ذلك من مؤونتهن التي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم استثناها لهن كما استثنى لهن نفقاتهن حي قال : « لا تقسم ورثتي دينارا ولا درهما ، ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤمنة عاملي فهو صدقه » هكذا قال أهل العلم ، قالوا : ويدل على ذلك أن مساكنهن لم ترثها عنهن ورثتهن . قالوا : وفي ترك ورثتهن ذلك دليل على أنها لم تكن لهن ملكا وإنما كان لهن سكنى حياتهن . فلما توفين جعل ذلك زيادة في المسجد الحرام الذي يعم المسلمين نفعه ، كما جعل ذلك الذي كان لهن من النفقات في تركة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما مضين إلى سبيلهن فزيد إلى أصل المال فصرف لمنافع المسلمين مما يعم نفعه الجميع واللّه الموفق كذا قاله القرطبي . واعلم أن قالون همز النبي حيث وقع إلا في موضعين من هذه السورة أحدهما هذه الآية والثاني قوله : إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ فأبدلها ياء في الوصل وهمزها في الوقف كما ذكره الشاطبي ، ولم يسهلها كما سهل غيرها لأنه رأى الإبدال هنا جاريا على القياس فيه فرجحه لموافقته لغيره ولأنه أفصح من التسهيل ولذلك أنكر على من قال يا نبيء اللّه بالهمزة وهذا مما لا غبار عليه فلله در التنزيل ، وما فيه من دقائق التأويل . إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا في حال كونكم مأذونا لكم ، أي إلا مصحوبين بالإذن أو إلا بأن يؤذن لكم أو إلى وقت أن يؤذن لكم وقوله : إِلى طَعامٍ متعلق بيؤذن على تضمينه معنى الدعاء أي إلا أن يؤذن لكم مدعوين إلى طعام . غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ انتصاب غير على الحال ، والعامل فيه يؤذن ، أو مقدر . أي : ادخلوا غير ناظرين ، ومعنى ناظرين منتظرين ، وإناه نضجه وإدراكه ، يقال : أنى يأنى إنا إذا حان وأدرك .