صديق الحسيني القنوجي البخاري

27

فتح البيان في مقاصد القرآن

التي تشبه الأمثال في الغرابة وبينا لهم الحجة فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار ، ولم نضرب لهم الأمثال الباطلة كما يفعله هؤلاء الكفرة وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً التتبير الإهلاك بالعذاب ، قال الزجاج ؛ كل شيء كسرته وفتنته فقد تبرته ، ومنه التبر لفتات الذهب والفضة وقال المؤرخ والأخفش : معناه دمرنا تدميريا أبدلت التاء ، الباء من الدال والميم . وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ مستأنفة مبينة لمشاهدتهم لآثار هلاك بعض الأمم ، وضمن أتى معنى مر لأنه يستعمل متعديا بنفسه أو بإلى ، والمعنى ولقد أتى مشركو مكة في أسفارهم إلى الشام ، على قرية قوم لوط ، وهي سدوم ، وهي أعظم قرى قومه وكانت خمسا . أهلك اللّه أربعا مع أهلها ، وبقيت واحدة ، وهي أصغرها ، وكان أهلها لا يعمل الخبائث . الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ وهو الحجارة ، قاله ابن عباس ، والأمطار معناه الرمي ، أي : هلكت بالحجارة ، التي أمطروا بها ، ورميت رمي الحجارة ، والمعنى أعطيتها وأوليتها ، مطر السوء ، أي أمطارا مثل مطر السوء وقد تقدم ، تفسير السوء في براءة أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي يرون القرية المذكورة عند سفرهم إلى الشام للتجارة . فإنهم يمرون بها مرارا أي : يرون آثارها ، وآثار ما حل بأهلها ، وقيل : للتقرير ، أي : حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه ، وهو ما بعد النفي ، أي : ليقروا بأنهم رأوها حتى يعتبروا بها ، والفاء للعطف على مقدر ، أي لم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها ، أو كانوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها في مرات مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب ، فالمنكر في الأول : ترك النظر وعدم الرؤية معا ، والمنكر في الثاني : عدم الرؤية مع تحقق النظر ، الموجب له . بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ أي لا يأملون نُشُوراً أي بعثا أضرب سبحانه عما سبق ، من عدم رؤيتهم لتلك الآثار ، إلى عدم رجاء البعث منهم ، المستلزم لعدم رجائهم للجزاء أو معنى يرجون يخافون ، على اللغة التهامية وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ أي : ما يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أي مهزوا بك ، قصر معاملتهم له على اتخاذهم إياه هزوا ، قيل نزلت في أبيّ جهل ، كان إذا مر مع أصحابه قال مستهزيا أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ أي بعثه اللَّهُ رَسُولًا أي مرسلا في دعواه ، وفي اسم الإشارة دلالة على استحقارهم له ، وتهكمهم به آ إِنْ كادَ أي قالوا إنه كاد هذا الرسول لَيُضِلُّنا ليصرفنا عَنْ آلِهَتِنا فنترك عبادتها بفرط اجتهاده والدعاء إلى التوحيد ، وكثرة ما يورده مما يسبق إلى الذهن أنه حجج ومعجزات . لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها أي حبسنا أنفسنا على عبادتها ثم إنه سبحانه أجاب عليهم بقوله : وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ عيانا ، أي عذاب يوم القيامة