صديق الحسيني القنوجي البخاري

24

فتح البيان في مقاصد القرآن

بالمثل هنا السؤال ، والاقتراح ، وبالحق جوابه الذي يقطع ذريعته ، ويبطل شهيته ، ويحسم مادته ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والجملة في محل الحال . أي لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال إلا في حال إيتائنا إياك ذلك . وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً أي جئناك بأحسن تفسير بيانا وتفصيلا . وبما هو معنى ومؤدى من مثلهم ، أي من سؤالهم ، وإنما حذف من مثلهم لأن في الكلام دليلا عليه ، ثم أوعد هؤلاء الجهلة وذمهم فقال الَّذِينَ يُحْشَرُونَ كائنين عَلى وُجُوهِهِمْ ومعنى الحشر على الوجوه أنهم يسحبون عليها ويطؤون الأرض على رؤوسهم ، مع ارتفاع أقدامهم ، بقدرة اللّه ، ويساقون ويجرون عليها . إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً أي منزلا ، ومصيرا ، ومسكنا وهو جهنم وَأَضَلُّ سَبِيلًا وأخطأ طريقا من غيرهم ، وهو كفرهم ، وذلك لأنهم قد صلوا في النار . وهو من الإسناد المجازي . وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة سبحان ، وقد قيل : إن هذا متصل بقوله : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [ الفرقان : 24 ] . وَلَقَدْ أي واللّه لقد آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة كما آتيناك القرآن ذكر سبحانه طرفا من قصص الأولين تسلية له صلّى اللّه عليه وسلم بأن تكذيب قوم أنبياء اللّه لهم عادة للمشركين باللّه ، وليس ذلك بخاص بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً أي عونا وعضدا في الدعوة ، وإعلاء الكلمة قاله قتادة ، وقال الزجاج : الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ، ويعمل برأيه ، والوزر ما يعتصم به ، ومنه : كَلَّا لا وَزَرَ [ القيامة : 11 ] ، وقد تقدم تفسير الوزير في طه ، والوزارة لا تنافي النبوة ، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ، ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا ، وقد كان هارون في أول الأمر وزيرا لموسى عليهما السلام ، أو لاشتراكهما في النبوة لأن المتشاركين في الأمر متوازران عليه . فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا وهم فرعون وقومه ، يعني القبط بِآياتِنا هي التسع المذكورة التي تقدم ذكرها ، وإن لم يكونوا قد كذبوا بها عند أمر اللّه لموسى وهارون ، بالذهاب فيحمل الماضي على معنى الاستقبال أي سيكذبون بها . وقيل إنما وصفوا بالتكذيب عند الحكاية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بيانا لعلة استحقاقهم للعذاب . وقيل يجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا ، وقيل إن المراد بوصفهم بالتكذيب عند الإرسال أنهم كانوا مكذبين للآيات الإلهية ، وليس المراد آيات الرسالة . قال القشيري : وقوله تعالى في موضع آخر : اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى [ طه : 24 ] . لا ينافي هذا لأنهما إذا كانا مأمورين ، فكل واحد مأمور ، ويمكن أن يقال : إن تخصيص موسى بالخطاب في بعض المواطن لكونه الأصل في الرسالة ، والجمع بينهما في الخطاب لكونهما مرسلين جميعا .